أعمدة الرأي

المهمّشون في الأفلان !!

نعم، إنهم المهمّشون في الأفلان يا سادة! ولا أقصد هنا أولئك المناضلون القاعديون العقائديون الذين يكافحون لنيل عضوية مكتب قسمة في بلدية نائية تكاد تنقطع فيها سبل الحياة العصرية.


بل أعني تلك القيادات والإطارات -ذكورا وإناثا- الذين تقلبوا في نعيم المناصب السامية وتبوءوا أعلى الرتب الإدارية باسم الحزب وتحت رعايته، حتى إذا أنهيت مهامهم أو أحيلوا على التقاعد، ارتأوا أن يحتكروا الجهاز المركزي للحزب ويستحوذوا على المناصب والتعيينات فيه كأفضل وسيلة لاستقطاب الأضواء والاهتمام في مرحلة ما بعد التقاعد، وكأنّ عرين الجبهة بحيدرة صار مركز نقاهة أو دار عجزة!
وعمرّوا هنالك دهرا حتى خالوا مكاتب وكراسي مقر الأفالان حقوقا مشروعة لهم دون غيرهم! وهناك هواة الجمع بين منصبين، فتجده يثبت رجلا في الاستوزار أو النيابة البرلمانية أو المحافظة ورجله الأخرى يغرسها في المكتب السياسي، وكأن الحزب يخلو من سواهم!
وهناك بعض الوزراء والمسؤولين السابقين الذين تخصصوا في الضحك على الذقون وتنكروا للحزب وأبناءه خلال فترات استوزارهم، وهاهم يبحثون اليوم عن نافذة للعودة عبر بوابة العتيد.


وهناك الذين أغدق عليهم الحزب بعهدات متتالية في المجالس المحلية والوطنية والمكتب السياسي، فإذا فرغوا منها جميعا ادعوا المظلومية واشتكوا من التهميش!!.


أستوعب جيدا حنق ويأس مناضل بسيط يخلص للحزب منذ سنوات أو حتى عقود ولم ينل بعد جزاءا ومازال يصبر ويمني النفس، من الطبيعي بل والإنساني إدراك حجم إحساسه بالتهميش و”الحقرة”.
لكن لا يمكن بأي حال التعاطف مع الفئات المنتفعة التي نهلت من الحزب حد الارتواء والثمالة وكوّنت ثروات لا حصر لها واستفادت من مزايا هائلة، لكن مازال طمعها لا ينضب وجشعها لا يقف عند حد. تلك الأنا المتضخمة تصور لهم أنهم الأجدر بالقيادة، وكأن الحزب بني على أكتافهم وبدونهم ستنهار أعمدته ويصير حطاما!


حين صار بعجي أبو الفضل أمينا عاما للحزب، قرر ألا يكون أمينا عاما إلا ربع، وأن يستعيد كل صلاحيات المنصب ويشرع في تفكيك الألغام التي ورثها، وعلى رأسها القضاء على لوبيات الفساد وجماعات المصالح والاحتكار داخل هياكل الحزب، وإقرار مبدأ التداول.


على إثر ذلك، استشعر البعض الخطر، فأطلقوا حملة لسحب الثقة بآت بالفشل نظرا لمحدوديتها وقلة التجاوب، رغم أنهم كانوا بالأمس من بين الداعمين لترشح بعجي ويرون فيه تجسيدا للتشبيب والتغيير.
هل كان عليه أن ينصبهم أمناء عامين موازيين ويشركهم في كل كبيرة وصغيرة ليضمن ولاءهم؟؟ وهم الذين اعتادوا أن يحشروا أنوفهم في كل شيء، وإلا يصبح التسيير فاشلا من وجهة نظرهم ويحكمون بالإعدام على تجربة الوافد الجديد قبل أن يتبيّن خيرها من شرها!
هناك مجموعات ولأجل احتكار المناصب والمزايا، لا تبالي أن يدخل الحزب مجددا دوامة أزمات الشرعية. ولا يعنيها أن يتوالى على قيادة الحزب أمين عام جديد كل بضع أشهر. فالمهم أن تكون أسماؤهم بارزة وحاضرة في الصفوف الأولى في كل العصور.


وبذلك يتقزم النضال الحزبي ويصير مرادفا لسؤال عادل إمام الشهير “أنا اسمي مكتوب؟” ويتقلص الأداء السياسي إلى صراع شرس للوصول إلى الكراسي والاحتفاظ بها لأطول أمد؛ إلى مدى الحياة إن أمكن!


وبهذا المنطق الأعوج، يجوز لكل أعضاء اللجنة المركزية الذين رفعوا اليد لتزكية بعجي المطالبة بنصيبهم في الإدارة فردا فردا، وتحويل تسيير الأمانة العامة إلى مايشبه نظام المحاصصة!


من المعلوم أن الصوت أمانة والتصويت لصالح مرشح ما يفترض أن يخضع لجملة من العوامل الموضوعية، لا أن تحكمه المقايضة؛ أضمن لك صوتي وأصوات محافظتي أو منطقتي شريطة أن تمنحني عضوية المكتب السياسي أو منصبا استشاريا أو في الديوان! وفي حال تعذر الأمر، يتم التلويح بسحب الثقة والانقلاب!


ويزعم أغلب مدعي التهميش من النخبة أنهم قدموا الكثير للحزب وضحوا في سبيله دون أن يحصلوا على اي شيء يذكر، في نكران مطلق لأفضال الأفلان عليهم!


إن أكبر آفات الحزب بعد الرياء هي الأنانيات وإنكار الجميل. بعض القيادات والتي يفترض أن تكون القدوة ونموذجا في العطاء، لا تنظر في الواقع للحزب إلا من زاوية ضيقة جدا فلا ترى ابعد من مصالحها الذاتية الآنية و”برستيج” المناصب العليا، وترفع لواء “أنا وبعدي الطوفان”..


ولو أن كل واحد فينا، من قعر القاعدة إلى أعلى القمة، امسك ورقة وقسمها إلى نصفين، بحيث يخط على يمناها ما قدم الحزب له، وعلى يسراها ما قدمه هو للحزب، لأدركنا الفارق الشاسع بين كفة اليمين وكفة الشمال، وما أدراك ماليمين! ولكففنا عن التربص ببعضنا البعض، ولخجلنا من الصراع المحموم على مناصب المسؤولية في هيئات الحزب. فالأمين العام لم يمض على انتخابه سوى شهران وبضع أيام، ومن حقه التريث والتأني في الاختيار، ووضع من شاء أين ومتى شاء وفق ما تخوله مواد القانون الأساسي.


إن ترتيب البيت المركزي واصطفاء التشكيلة الرئيسية ليس الغاية ولا نهاية المطاف، بل خطوة ضرورية نحو تحقيق الهدف الأسمى وهو النهوض بالحزب الأكبر في البلاد ووضعه على السكة الصحيحة والمرور إلى تحديات أهم في أجندة الأفالان كإعادة الهيكلة واستعادة الريادة والتجند للمؤتمر الـ11 وغيرها..


علينا جميعا أن نعي أننا نصب في بوتقة خدمة الحزب وأننا كلنا سواسية، ولا فضل لإطار على مناضل إلا بالإخلاص للأفالان والالتزام بثوابته..


إن الأفالان لا يتوقف على الأشخاص، وقد كان ومازال وسيظل بنا أو بغيرنا. فما أحوجنا إلى التمسك بالجبهة، وما أحوج الجبهة إلى مناضلين صادقين..


بقلم: إيناس نجلاوي
عضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: