أعمدة الرأيعـــاجلوطني

المؤسسة العسكرية في الجزائر… القلاع والبوصلة

ابوبكر زمال / كاتب الجزائر

* جزء من كتاب: “الفريق توفيق / سيرة متوارية محرمة”.

“جيش شعب خاوا خاوا” (الجيش والشعب إخوة)، صدح الحراك هاتفا بفرح للجيش لما أتخذ قائده الراحل قايد صالح قرار تنحية الرئيس بوتفليقة بعد اشتداد ضغط الشارع والخوف من إنفلات الوضع، ثم في لمح البصر أصبحت الهتافات قاسية ومفاجأة للجميع (les généraux à la poubelle) “الجنرالات إلى المزبلة”.. حدث ذلك في “جمعات” العناد، وتواتر أساليب الرفض لكل ما يأتي من السلطة القائمة، حيث تبدلت اللهجة وتصاعدت ضد المؤسسة العسكرية ورجالاتها.. كانت تلك الهتافات والأهازيج أخطر وأجرأ وأعنف وأشد ما لعلعت به أصوات المتظاهرين في نغمة واحدة وعلى صعيد واحد داخل شوارع الجزائر.. كانت تخرج ببطء وتؤدة من مجموعات قليلة غامضة منزوية في ظلال الأزقة والطرقات والمنعطفات، تترقب تعاظم الجموع ثم ما تلبث أن تلتحم بها قاذفة بالعبارة الصاخبة ضد العسكر، تسيح كالدم في الخضم، وتهدر رغم أنف الجميع أولئك المصطفين خلف العفوية والبساطة في مطالبهم الحياتية البسيطة المفعمة بالمستقبل.

عسكرة الحياة

لم يكن أحد يتوقع أن تحتد النبرة وتتفاقم وتتصاعد دون خوف أو وجل أو رهبة أو احترام.. فلقد ظل الجيش في مختلف مراحل الحكم في الجزائر معادلة معقدة صعبة ومخيفة في آن، لعبة شطرنج تنتهي لديها كل أطراف اللعبة.. الملك الملكة الفيل الرخ والبيادق والجنود.. هو اللاعب الرابح دوما كش ملك.. هو الصامت الأكبر في مخيال الجميع، مخيال تربى وتعود على النظر بخفوت إلى العسكر بجنرالاته وضباطه وشعبه السرية المخابرات أمن الجيش الوحدات الخاصة الدرك وغيره من فروع الجيش.. نظرة فيها الكثير من التقدير والتبجيل وحس المواطنة تجاه هذه المؤسسة التي كانت تعني دوما عندهم الانضباط الصرامة القوة والبنيان المرصوص.. بل كانت حاضنة للمجتمع منهم وإليهم حتى أن الكثير من الجزائريين كانوا يرددون عبارة “نقاجي في العسكر” (بمعنى أنخرط في الجيش) عندما تضيق بهم السبل ولا يجدون           ما يلبي رغباتهم في وظيفة محترمة داخل مؤسسات مدنية فيلجئون إلى هذه المؤسسة العريقة مهما كانت مستويات تعليمهم.

بقي الجيش قلعة عالية لا تعرف ما يعتمل خلف أسوارها من أمور وأحداث، وما يرشح عنها لا يكاد يشفي الغليل وحب المعرفة والفضول.. هذي هي طبيعة العسكر وبنيته وعقيدته منذ التاريخ.. هو الظل والخفاء.. الأنفاق والمتاهات.. أسرار وخفايا وخفية وتخويف ومخافات.. الصمت والسكون، القوة والجبروت، الديناميت والشعلة والنار، والملاذ الأول والأخير.

ظل العسكر في الجزائر هو الممسك الفعلي والوحيد بكل أمور البلاد من الألف إلى الياء.. محج الجميع.. أفرادا أو جماعات ساسة أو رجال دين، نخبأ أو أصحاب مال أو جاه، يأمرون فيطاعون في السر أو العلن، بوضوح أو بغموض، معروف أصحابه أو متوارون، لا صوت أخر أشد وقعا على الجميع سواهم.. هكذا تقدمه التحليلات والتنظيرات والدراسات وكل من حاول الولوج إلى عمق هذه المؤسسة وتفسير حضورها في كل صغيرة وكبيرة.. في كل قرار أو مصير يتعلق بالدولة.. طبعا هذه الرؤية ليست وليدة اللحظة أو النزوة أو العاطفة أو التحيز أو التقرب منها لنيل الحظوة والبركة بل تضرب في الجذور والتاريخ.. في مسامات ذاكرة غير بعيدة.. في زمن الثورة حيث بقيت مقولة العسكري قبل السياسي لصيقة وملتصقة ببناء النظام في الجزائر.. كان منظرو الثورة أو قادتها من السياسيين يفضلون اللعب في ساحة المناورات والتكتيكات السياسية مع المستعمر الفرنسي حيث اللقاءات والمشاورات والأحاديث والتنازلات والمصالح تتطاير في السر والعلن بين الطرفين.. أعتبر الكثير من السياسيين أن زملاءهم العسكريين لا يعرفون سوى لغة السلاح وأزيز الرصاص.. واعتبر هؤلاء أن الساسة يضيعون الكثير من الوقت في التفاوض والتكاسل والتماطل مع خصم لا يعطي بسهولة ولا يريد أن يفرط في أرض عمرها طويلا وتجذر في ترابها.. تفاقمت الصراعات بين الإخوة والأشقاء قبل الثورة وأثناءها وبعدها، صفي بعضهم غيلة وغدرا، وانسحب بعضهم وانتظر البقية في الخلف.. بعد الاستقلال رافقت هذه القلاقل وبسطت عنفوانها وتمردها في خضم البناء والتشييد والنهوض بالبلد من الكبوة والفقر والتخلف.. أزاح العقيد بومدين غريمه الرئيس بن بلة من الحكم وأحكم القبضة على الجيش والدولة والمجتمع.. عسكر كل شيء وغلفه بطبقات سميكة تحت أنظار الأمن وإن بدا الأمر في أعين الكثيرين أن لحظة ميلاد الجمهورية هي من حتمت هذه الاختيارات وهو ظرف استثنائي سار عليه العقيد بومدين ولم يكن أمامه سوى هذا الطريق المزدان بالكثير من الشوك وقليل من الورود.. لم ترق هذه التوجهات لزملائه فحاولوا الانقلاب عليه بل تعرض لمحاولات اغتيال عديدة ولكنه صمد فالرجل يعرف هشاشة الداخل المتحرر حديثا من سلاسل والظلم والقهر الاستعماري، والخارج المتربص، ساعده في ذلك جهاز أمني سري فتاك ومخيف ومرعب عرف بالأمن العسكري واختصارا بـ: SM، تدور الأعين في محاجرها فقط لما ينطق باسم قائده قاصدي مرباح بل لا ينطق أصلا به، ومن حاول المعارضة أو الاحتجاج أو قول كلمة في حق النظام، إما لقي حتفه أو كان مصيره دهاليز السجن وما كان يتبعها في ذلك الوقت من صنوف وفنون وويلات التعذيب وأساليبه المهيبة.

كانت تلك الحقب من تاريخ الجزائر هي حقب العسكر بامتياز، رئيس خرج من معطفهم بل هو المعطف بحد ذاته، حكم بقوة السلاح وكسر كل معارضة تأتي من خارج منظومة الحكم المتفرد الأوحد والوحيد، ومهما اختلف حول ما قام به أو ما عمله أو ما قدمه للدولة الجزائرية الفتية من خيرات وأفضال مثلما تحب الدعاية تقديمه كمنجزات في المجالات التي سيطر عليها  أو سطر نفوذه فيها.

رافقت ظاهرة العسكرتاية الحكم منذ الاستقلال، تصارع الإخوة الأعداء مرة أخرى بعد وفاة الرئيس بومدين وقبل أن تبرد جثته وتسجى وتغطى، كانت العيون متجهة إلى سقيفة العسكر حيث دار الجدل عن من سيكون الأجدر لتولي قيادة البلاد، وفي الجهة المقابلة كان الساسة المغبونون من الحزب الواحد يحاولون أن يجدوا طريقة للتوافق بين رجلين عبد العزيز بوتفليقة ومحمد الصالح يحياوي.. أحدهما أبكم والآخر أصم.. الأبكم لا يريد أن ينطق أحد إلا باسمه والأصم لا يريد أن يسمع غير صوته، في خضم هذا اللعب على المكشوف وتوتر حلبة الصراع، حسم جهاز الأمن العسكري الأمر وأخرج لهم رجلا عسكريا ساذجا ومغمورا، محب للهو والزهو ولاعب ماهر في التنس، تم وضعه عنوة على رأس الدولة، وما لم يكن يدور في خلد العديدين أن هذا اللاهي في الملاعب الراقية المغلقة للتنس سيلعب بشكل مفتوح وسريع ومتوحش في ملاعب الساسة، ويفكك الإرث القديم لزميله العسكري العقيد بومدين يفككه إلى قطائع وأجزاء، وقد قام بذلك خطوة خطوة، بحذر، وبتهور مرات عديد، حاول إعادة هيكلة الجيش حسب مقترحات تقدم بها قادة عسكريون كبار، تصورات وضعت على طاولته، سوفيتية الهوى بالأساس وأخرى فرنسية التوجه وأخرى مزيج من هنا وهناك، واقترب من صاحبة الشأن الأعظم في الحكم “الأمن العسكري” حيث قسمه و”خلط” فيه (بالتعبير الجزائري)، وأصبح له 3 فروع متعددة ومتشعبة واختفى اسمه المخيف “الأمن العسكري”، وحلت محله أسام عدة، ستظهر بعد سنوات التسمية الأشهر، الــ DRS، الاسم والفعل والقوة والسيطرة التي ستتوغل في مفاصل وعروق الدولة، في أغوارها وصلبها، في ليلها وضحاها، سيعلب أخطر الأدوار وأصعبها وأشقها خاصة في زمن الإرهاب والدم والمآسي حيث تقدمت الصفوف الأول في محاربة الإرهاب والبحث والتقصي وجمع وفرز ما أمكن من معلومات طائرة وزئبقية ومخيفة عن التنظيمات وكل ما يتعلق بها، ودفع الجهاز ومن وراءه الجيش خيرة أبنائه من ضباط ورجال ونساء وسقط منهم الكثيرون مما دفع بالعديد من الجزائريين إلى حمل السلاح كمتطوعين إلى جانب إخوانهم وأشقاءهم المجندين أو النظامين في وقفة أريد القول من وراءها أنهم على قلب رجل واحد من أجل أن لا ينهار البلد، وما تلك القبور الكثيرة التي تحتضن أجسادهم المجهولة إلا شواهد ساطعة لأولئك الذين وجدوا أنفسهم في قلب معركة غريبة وقاتلة ومدمرة.

جهاز المخابرات وسيده الأسطوري

لم تكتب لحد الآن فصول ما فعله هذا الجهاز وكيف تعاظم دوره وألتف أخطبوطه وتشعب وخرج في الكثير من المرات عن السيطرة حتى ترسخ الاعتقاد أن ضباطه لا ينتمون أصلا للجيش وليسوا أحد فروعه حتى أن قائده الذي تربع على عرشه الفريق محمد مدين المعروف بــ: توفيق المسجون حاليا، لم يــُرى طيلة فترة حكمه إلا نادرا في أي ثكنة مثله مثل أي قائد، بل لم يكن يرتدي البذلة العسكرية إلا في مناسبات قليلة، ولا تعرف له صور إلا ما تسرب في غفلة عن العسس والعيون الرقيبة، لا صوت له ولا حس، حتى تخال أنه شبح أو هيولي، الكل يلهج باسمه، لا أحد يقترب منه إلا القلة القليلة جدا من محيطه، بل يحكى أن زواج إحدى بناته تم في سرية تامة بل حققت مصالحه في قائمة المدعوين على قلتهم ومنهم أحد الإعلاميين المقربين من الجنرال نزار الصديق الأوفى لتوفيق.

ارتبط غموض الــDRS  بغموض سيده.. قصير القامة، يضع دوما نظارات سوداء ويحمل دوما سيجارة فاخرة بين يديه، أنيق وذو جسد رياضي، لا يكل ولا يمل من ممارسة لعبة كرة القدم المحببة لديه، تدفقت من حوله الأساطير والحكايا السحرية والخرافات، قويت عضلاته، وتقدست في المخيال الجمعي، بنى أو بنيت له صورة هلامية قاتمة متوارية خلف الهمس واللمس، ساهم في خلقها وتمديدها الإعلام بشكل أساسي وخلايا الدعاية النائمة في حضن الشعب السرية وفي الغرف المغلقة لفيالق المال والأعمال، ولكنه في السنوات الأخيرة وهن وتعب وأصابه المرض وبدأت علامات العجز والشيخوخة تعصف بقوته وجسده.. تلك أقدار أخرى طبيعية لا يمكن لا أحد أن يوقف زحفها، وبدأت الصور الخرافية للرجل تتداعى فهي من لحم ودم وعصب، يمكنه أن يمرض ويصاب بالقلق ويستيقظ مرعوبا ويذهب حتى للمرحاض، أصابه المرض وأصبح في السنوات الأخيرة يعرج، لم يكسرها العسكر أصدقاؤه، ولم تتمكن منه الصراعات الضارية التي كانت نيرانها تقدح من رماد المصالح والمسرات والمنافع، وتتلاوح على أسوار وقمم وأهرامات السلطة الحقيقية، بل أخرج له شخص مغمور يدعى عمار سعيداني قيل أنه كان يضرب على الطبل في إحدى الفرق الموسيقية الشعبية المحلية وتدرج بعد ذلك ليس في مقاعد الدراسات العليا ولا في أرقى مدارس السياسة بل أوصلته هممه ومشغولاته إلى منصب عامل في محطة لبيع وقود السيارات ثم بقدرة قادر وأيدي الكواليس والمخططات المرسومة في الدهاليز والغرف المعتمة للسلطة أصبح أمينا عاما لأقوى حزب في الجزائر بل قفز على سلم الدولة اللولبي وأصبح الرجل الثالث يحكم ويقرر مصير البلاد إلى جانب الرئيس.

تكفل سعيداني بشن حربا ضروس بالنيابة عن ما قيل أنها أوامر خاصة وسرية جدا نفثها في أذنيه الفريق قايد صالح، أعلن أن توفيق سبب المآسي والأحزان ودموع الثكلى وخراب البلاد والعباد وأنه المسؤول الأول والأخير عن كل هذه الأمور، قال ذلك على رأس الأشهاد علنا بصراحة ودون لف أو دوران أو خوف.. كانت تلك لقطة سريالية تراجيدية ومفاجأة، لم يكن أحد يتوقع أن تطلق السهام على رجل موصوف بالجبروت والسيطرة و”رب الدزاير” كما نعته أحدهم، تطلق من رجل غريب وعجيب الشكل والمظهر، بلا لغة أو أسلوب، أو عمق أو حتى رؤية إستراتيجية، كل ما قاله كلمات كافية لتبدأ الأسطورة في التبدد والتفسخ والانحلال لتنهار وتنكشف وتتناثر.

في زمن توفيق أصبح الــ DRS هو محور كل نهمة وهمهمة وقرار، بل يعرف ويعلم ما يدار في أي خم مهما كان ضيقه           أو كبرت مساحاته، في الدولة في الحكومة في العسكر في الوزارات في الجامعات في الأحياء الأزقة الطرقات الشوارع السفلية والعليا، في البارات والملاهي والمطاعم والمساجد، في كل شبر ومكان.. توسعت مهامه وتفاقمت حتى بلغت عنان السماء.. تم ذلك في ظل ضعف واستسلام وخمول الأطراف الأخرى من أحزاب ومجتمعات مدنية وغيرها من مكونات الواقع الجزائري، كانت صروف التاريخ والوقائع والأحداث هي من أنشأت لهذا الجهاز كل هذا النفوذ المتعالي والمتغلغل، كان بمثابة دولة داخل دولة أو هو الدولة بالذات.

تغول الجهاز وبداية الردع

لم يكن من السهل إيقاف هذا السيل الجارف الحاشد للجهاز برجاله الأقوياء المتنفذين والمتمددين كالمطاط، جعل بعضهم يستغلون الوضع الضعيف والغياب شبه التام للقوانين الرادعة، فوجدوا أنفسهم بلا حسيب ولا رقيب، بعضهم كان يتصرف خدمة لمصالحه الخاصة على حساب المهمة النبيلة التي كانت منوطة به وهذا أمر آخر، وفي مقابل هؤلاء كان هناك آخرين يتلاعبون بما لديهم من معلومات داخل حلبة الجدل والنقاش والصراع، لا يظهرون علنا بل يلجئون إلى الستار ويشدون الحبال يطلقون الأضعف منها ويمسكون بالأمتن في جولات متكررة من اللعب والمنافسة التي تشتد وتلين حسب الظرف والوقت.

نظرت القيادة العسكرية إلى الجهاز بنوع من الحذر والترقب، كثرت أخطاء قادته وأصبحت كالجبل الثقيل الذي يكاد يهدم كاهل المؤسسة، جمعت وفككت ورتبت وحللت هذه الأخطاء بكثير من التأني والصبر على مدى سنوات، دفع قايد صالح الملف تلو الملف، وضعت على مكتب الرئيس بوتفليقة، ملفات تتضمن معلومات فائقة السرية عن توفيق وأذرعه التي شكلها في كل موقع ومكان، لم يكن يتدخل احتراما للعلاقة التي ربطت توفيق بالرئيس، ولكنه حرص على محاصرة الرجل بطرق مختلفة كغلق صالات الرياضة التي كان يلعب فيها.. غير رجاله وعزلهم وأرسل بعضهم إلى التقاعد المكبر في مناسبات عديدة.. وطال السجن بعضهم، ولعل الزج بأحد أهم وأخطر رجاله الأوفياء قريبه من حيث النسب الجنرال عبد القادر آيت وأعرابي المعروف بـ: حسان، والذي ما زال يقبع في السجن لأسباب ما زالت تكتنفها غلال الأسرار، هي اللافتة والمثيرة ضمن هذا الاحتدام والتقاتل الذي لا يقول اسمه بصراحة، وبقي سجن ذراعه السرية هو الأمر الوحيد الذي أخرج الفريق توفيق من عزلة الأسطرة والخرافة حيث نشر رسالة كتبها بالفرنسية وترجمت إلى اللغة العربية واعتبرت حدثا تاريخيا نادرا صنفها البعض كرسالة مقدسة من السماء، يدافع فيها عن الرجل ويضفي عليه خصالا فاضلة وحميدة بكلمات محكمة ومدروسة بعناية صارمة ودقيقة وكأنه عجنت وطبخت مرات ومرات، والطريف أنه قبل نشر الرسالة طلب منه صور جديدة غير تلك التي مبثوثة في النت، ولكنه فضل أن يرفق الرسالة بصور مستنسخة من النت على ورق أبيض بحجم 27 / 21 رغبة وإمعانا في المحافظة على مكانته العالية السرية والغموض.

المعلومات الشحيحة التي تسربت عن أسباب سجن الجنرال حسان متضاربة ومتناقضة ومعقدة ومغلقة تكاد لا تعرف خيطها الأبيض من الأسود، وحتى الخلفيات والأسباب الحقيقية التي دفعت توفيق لكتابة تلك الرسالة ما زالت مبهمة لا يعلمه إلا الله وهو وحفنة ضيقة جدا من مقربيه، رغم أنه واجه طوال مسيرته الحافلة بحروب كانت تصيبه في مقتل، لكنه لم يكن يبالي، ولم تردعه ولم تحرك له ساكنا، وأقرب المعلومات لتفسير أصول الحكاية هي أن حبس الجنرال حسان هو وصول الصراع بين المؤسسة العسكرية المدعومة من طرف الرئاسة والمخابرات إلى نقطة تنذر ليس فقط بخلخلة الوضع بل بانفجار لا يعلم أحد مداه، وكانت حادثة تيقنتورين التي وقعت سنة 2013 هي الخلفية والصورة المكشوفة لهذا الصراع، أين قامت مجموعات إرهابية بالهجوم على قاعدة بترولية في جنوب الجزائر أدت إلى مقتل العديد من العاملين الأجانب فيها، وهي الحادثة التي سجن على إثرها الجنرال حسان، والتي لا زالت لم تفزر بعد كل خباياها وخفاياها، وهي كما قال مصدر رفيع ومطلع كانت البداية الحقيقية لأفول نجم الفريق توفيق وفريقه الضيق في سماء القوة والقرار والنفوذ وانحسار قوتهم، بعد أن تأكد وجود قوى خارجية تقف وراء مخطط الهجوم على القاعدة البترولية بمعية خلايا داخلية، والهدف كان إضعاف الجيش وبث روح الانشقاق داخله على اعتبار أنه المؤسسة الوحيدة التي ظلت صامدة في وجه العواصف والمحن والمؤامرات والدسائس التي حاولت زعزعة أركان الدولة ككل منذ بداية الثورة إلى الاستقلال إلى أحداث أكتوبر 1988 إلى فترة التسعينيات حيث عصف الإرهاب بالبلاد، والدور الكبير الذي قامت به في دحر الجماعات الإرهابية، إلى فترة حكم الرئيس بوتفليقة الذي حاول تدجينها والسيطرة عليها والتمكن منها بروح منتقمة حيث بقيت تحز في نفسه الكثير مما فعلت به القيادات العليا المختلفة للمؤسسة خاصة من جهاز المخابرات الذي لعب معه مرات على المكشوف ومرات على المستور، صاحبه مرة وعدوه في مرات أخرى، ضده ومعه في نفس الوقت.

في سنوات حكم الرئيس بوتفليقة تغول الجهاز وأصبح ذراعا قوية للكثير من رجال الأعمال وبعض الساسة والإعلاميين، كان ذلك بمباركة من طرف مؤسسة الرئاسة وتحت أعينها ومرات بتعليماتها، لم تكن تتحرك لردع نفوذ رجالها داخل العديد من هياكل الدولة أين تم زرع شبكة واسعة من عملاء المخابرات يراقبون ويكتبون التقارير مغلوطة أو صادقة لا يهم، يطلعون على أدق التفاصيل المتعلقة بالقرارات والأفعال والأقوال والتحركات، بل كان بعضهم يحضر الاجتماعات داخل الدوائر الوزارية، كل هذا شكل منهم يدا ضاربة مهددة مستغلة، وجعل من بعضهم أصحاب شأن عظيم وحظوة يتقرب منهم الوزير والمسؤول والمدير لتذليل العقبات والصعاب والمشاكل في مقابل امتيازات ومنافع ومصالح.

الجيش يسيطر على المخابرات

قد يكون رأي الجيش حتى ذلك الحين في ما كان يقوم به الجهاز مشوبا بالقلق والتوتر والغيظ والنفور، حتى سقط قرار إحالة الفريق توفيق على التقاعد، جاء الأمر في لحظة مفاجأة كون الرجل تربطه علاقة قوية ومتينة لا تلين مع الرئيس ومحيطه، علاقة مبنية على الاحترام والثقة والإطمئنان بين رجلين مجاهدين تعلما في مدارس الثورة وتشبعا بروح الوطن وقدما الكثير من أجله، ولم يدر في ذهن أيا كان أن يحال الرجل على بيته مشكورا بعد رحلة طويلة في دهاليز النظام صانعا الرجال ومتحكما في الرقاب محاطا بصورة تكاد تقارب القداسة والتعظيم، ولكن هذا الانسجام كان يجب أن ينتهي وينقضي أجله، وتعلق صورته في مكان ما في جدران وزارة الدفاع، وضمن ألبوم خاص يدخل الفرح والبهجة على أفراد عائلته، ولكن البهجة لم تستمر حيث ستتمزق الصورة بعد سنوات قليلة من تقاعده المريح، ويجد نفسه مرة أخرى وأخيرة في دوامة لولبية بعد تصاعد الحراك ضد الرئيس بوتفليقة، وأعتقد ممن تواصل معه أو أراد مشورته أنه الأقدر على التحكم في زمام الأحداث بما يملكه من خبرة وعلاقات ورجال، بل وجد نفسه في مواجهة قاتلة غير متكافئة مع القايد صالح الذي نزل ورضخ لمطالب الشعب حين خرج في يوم 22 فيفري رافضا العهدة الخامسة، أفضت إلى سجنه متهما بالتآمر على الدولة وخيانة الجيش.

عمد القايد صالح إلى وضع الجهاز بعد أن كان ملحقا بالرئاسة في مكانه التقليدي تحت قيادة الأركان، التي تعمل على تحديثه وتشبيبه وفق إستراتيجية علمية متطورة، مرتبط فقط بمهامه المعروفة: التقصي والبحث وجمع المعلومات والتقارير وغيرها.. بدا وكأن الأمور عادت إلى نصابها ولكن الآثار والممارسات التي شكلها طيلة سنوات ما زلت تلقي بظلالها موجودة ومتجذرة ليس فقط في الهياكل بل في الذهنيات والعقول، وتفكيك الألغام المحيطة بمؤسسة الجيش التي كان أحد واضعيه هذا الجهاز نفسه سيتطلب الكثير من الوقت والجهد والإرادة والعزم، وما حدث مؤخرا للعديد من الجنرالات الذين سجنوا على خلفيات قضايا عدة هي إحدى ثمار العمل الدؤوب الذي باشرته القيادة القديمة المتجددة للمؤسسة.

التيارات القديمة الجديدة للجيش

قيادة تتقاسمها وجوه قديمة، القليل منهم مجاهدون بالأساس أو منتمون للمؤسسة منذ فترة طويلة، خبروا خاصة وقائع الإرهاب، وأخرى جديدة ذوو تكوين عال رفيع، وكفاءة مشهود لها في الميادين العسكرية المختلفة نظريا وتطبيقيا، مسايرة وعارفة بمد وجزر التحولات العالمية التي تتحرك في سماوات مفتوحة بدون حدود على حروب غير تقليدية، افتراضية سيبارينة علمية، لعل أبرزهم الجنرال محمد قايدي قاهر الإرهاب وصاحب باع طويل في محاربته، المنضبط، متعدد اللغات، خبير المعلوماتية، ظهر اسمه ولعلع حين بدأت رؤوس الفساد تسقط من أعلى السلطة وقيل أنه كان وراء حصدها حتى أنه اشتهر بلقب “المنجل”، تظهر محركات البحث في غوغل مدى احتلاله قائمة المبحوث عليهم من طرف الجزائريين وحتى من قبل أطراف أجنبية خاصة المهتمة بالشأن الأمني، ربما أشعل حضوره رمزية ما يفتقدها المجتمع الجزائري فهو من جيل المحن واليتم والأحزان التي مرت بالجزائر خلال فترة الإرهاب، عاشها وعايشها وانخرط فيها بالقلب والروح والجسد، تعلم وتربى في أحضان القيم المتعارف عليها تقيلدية وإسلامية بالأساس فهو حافظ للقرآن، غير متلوث بأوحال السياسة، نقي، بدون قناع، يقدمه من يعرفه جيدا أنه وطني خالص وممحون بما وصلت إليه البلاد، تكررت صوره في التغطيات الرسمية التلفزيونية، ما زال الكثير يتذكرون تلك الجموع الغفيرة التي هتفت باسمه يوم جنازة القايد صالح وأحاطت بالحافلة التي كانت تقله هو وكبار الضباط في لفتة قـــُـرأت على أنها نفحة إيمان لما قام به من قبل في مكافحة الإرهاب وبما يجب أن يقوم به وبما سيكون عليه في المستقبل. 

في الجانب الآخر هناك تيار الصقور ممثلة في الجنرال ماجور شنقريحة، أكتشفه الجزائريين بعد وفاة القايد صالح، قارئ نهم للسير والمذكرات والشعر ومن المفتونين بالشاعر العربي الكبير محمود درويش، على كتفه تماسك الجيش في لحمة واحدة حين تقدم صفوف القادة الكبار أثناء إلقائهم النظرة الأخيرة على جثمان قايد صالح في إشارة بليغة عن التلاحم والتآزر بين مختلف أطياف الجيش، أكتشف الجزائريين أيضا من خلال طريقة إلقاءه الخطب بلسان عربي مبين وبفصاحة قل ما سمعوه من لدن حكامهم بله من طرف العسكريين ذوي التكوين الفرنسي.

وهناك تيار الحرس القديم للعسكر ولعل الفريق بن علي قائد الحرس الجمهوري هو وجهه الأبرز، الوحيد المتبقي على قيد الحياة ممن يحملون أرفع رتب في سلم الرتب العسكرية، مخضرم ومجاهد، تعرض للاغتيال في تسعينات القرن الماضي في فترة الإرهاب بعد كمين نصب له في أعالي العاصمة، ونجا بأعجوبة من الموت بعدما اخترقت جسده أكثر من 8 رصاصات قاتلة، تقلد مناصب عدة، وظل أحد أهم القادة النافذين المسموع كلمته داخل المؤسسة العسكرية، وقد تسربت معلومات تقول أن الرئيس تبون بعد انتخابه كان ينوي تعينه قائد للأركان بالنيابة في مكان قايد صالح على اعتبار أنه يحمل أعلى الرتب، ولكنه تراجع في آخر المطاف وأدرك أن مثل هذه الأمور تحسم ضمن الدائرة الضيقة للقادة الكبار، وهو تقليد متفق عليه ومحسوم أمره من البداية.

يبقى تيار آخر غامض ما زال يطوف في أركان الجيش وهو من بقايا النسور التي كانت تنشب مخالبها في جسد الجزائر، وتحاول أن تبقي على الوضع كما هو أو تحاول تعكير المزاج والتخلاط، وهو تيار يعرف المخارج والمداخل ونقاط الضعف والقوة، سمحت له السنوات العشرون ببناء قاعدة مهولة من الأذرع في كل مكان خاصة في السوشايل ميديا، يسربون معلومات الكثير منها مضلل ومحسوب ومشكوك فيها ومطبوخ ومحضر، يقول بعض أصحابها الفارون من وجه العدالة أنها معلومات محصل عليها من طرف ضباط متقاعدين وآخرين متواجدين في مناصبهم غاضبين وناقمين، يملكون ملفات وأسرار ووثائق خطيرة بما أنهم كانوا في الصفوف الأمامية للفحص والبحث، وهي تتحرك كل ما سنحت لها الفرصة بذلك، فلول وعصب وجماعات نائمة ولوبيات كما وصفهم الرئيس تبون في كلمته الأخيرة أمام القيادة العليا للجيش، وقد تم كشف بعضهم بعد عملية واسعة تطلبت سنوات من الحفر والمراقبة، أبرزهم الجنرال بوعزة واسيني مدير الأمن الداخلي للجيش المسجون حاليا رفقة بعض معاونيه الكبار، واعتبرت عملية إيقافهم وتقديمهم للعدالة العسكرية سانحة لم تعرفها الجزائر من قبل، قوافل من الضباط الكبار تساق مغلولة إلى غياهب السجن بدأت في وقت قايد صالح ولم تنتهي بعد، في الجهة المقابلة فر آخرين إلى الخارج مرعوبين من سيف العدالة،  تقول أذرعهم أنهم علب سوداء وأبيار من الأسرار والخفايا وهم على وشك تفجير القنابل والألغام لتخويف وترهيب كل من تسول له نفسه ملاحقتهم، بينما يقول العارفين أن مثل هذه المعلومات هي مجرد أوهام وأراجيف لا تصمد، والكثير منها مغالطات ومزايدات وصلت حتى التجريح والمساس بالحياة الشخصية والكذب على أفراد من الجيش مثلما كتب أحدهم عن إبنة ضابط كبير وقال أنها تحتل عنوة مكتب الملحق العسكري لأحدى سفارة الجزائر وهو خبر غير صحيح تماما وعار مثلما أكدته لنا مصادر لا يرقى إليه الشك فالمعنية بالأمر تعمل أستاذة هي وزوجها ولا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بالسفارة هناك إطلاقا، كل هذا لا يمكن أن تقف اليوم أمام أكبر عملية محو وإزالة ندوب شابت المؤسسة، عيوب وأخطاء وزلات وممارسات أخلت بصورة العسكر وساوت بينهم وبين المجرمين والقتلة والسراق والعصابات الإجرامية، عملية يكتب أطوارها الآن رجال آخرون، يصنعون سطور لتاريخ جديد لأمة جديدة.

كل هذه التيارات هي نسيج المؤسسة العسكرية الجزائرية، خيوط دقيقة ومعقدة وغليظة، تتشابك وتنحل ثم يعاود شبكها كي لا تنفرط خيوطها وسط الركام، وفي مواجهة الحروب الكثيرة التي تثار حولها تلجأ للصمت الثقيل كالرصاص، تعالج الأمر كما لو أنه سحابة عابرة، وفي أحسن الأحوال لا تعيره أهمية فهي تدرك أسرار اللعب العابر الظرفي ومن يقف وراءها وأهدافهم الخفية، وليس أدل على ذلك صمتها أمام هتافات وصرخات وأهازيج الحراك التي طعنت في الجيش ووضعت رجالاتها على خط واحد لا فرق بين أبسط جندي وأعلاهم رتبة، رغم أن فيها من يعيشون في كنف الحياة البسيطة كأيها مواطن عادي نظيف مكتو بالمصاعب والمشاكل.

يقف اليوم الجيش منتظم ومنظم في مسعى واحد جاد مجرد من العواطف وصارم، غير أنه يفتقد إلى الخيال الخلاق الفعال في معالجة الأمور والأحداث، ينقصه شيء ما ليعبر نحو البر الآمن النائي عن التقاتل والصراعات الموروثة من عهود سابقة، يدرك أن الرهانات أكبر بكثير من صيحات تندد بجموع الجنرالات، أو من خيانات أبنائها الذين لم يتورعوا طيلة سنوات في تلطيخ الصورة المعتادة للعسكري المنضبط سليل ثورة كبيرة، رهانات خارجية متوترة قرب دول الجوار، وهي من ستحتم عليه اليوم الخروج من صمته وسكونه الأكبر إلى فسحة العالم المضطرب، والبرهنة على مدى القوة التي بحوزته ماديا أو عسكريا، وجاهزيته القصوى للردع والتصدي مهما كانت درجة الخطر القادم أكان واقعيا أم مجرد حرب بدون أقنعة. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: