أعمدة الرأيثقاقةعـــاجل

وزيرة الثقافة والفنون ملكية بن دودةالحجرة الفلسفية متى تتحرك؟

ابوبكر زمال / كاتب

نجت وزيرة  الثقافة والفنون وهي التسمية الجديدة للقطاع مليكة بن دودة من مقصلة التغير، بعد أن راجت معلومات عن تنحيتها من المنصب وهي التي قضت أكثر من 7 أشهر معتكفة وقليلة الحركة ومنصتة للهرج والمرج المدار في الفضاءات الزرقاء وفي لغط السوشيال ميديا وفي عرين النميمة وتقولات الكتاب والفنانين وحتى داخل رؤوس إطاراتها والمؤسسات الثقافية التابعة للوزارة وغيرهم من النخب المرفوعة على كتف الثقافة والفن.

حسنا وبعد هاهي اليوم في أريحية كاملة بعيدة عن الضغط والقلق والحيرة التي تنتاب أي مسؤول، يدرك أن تربعه على المنصب لا يدوم، يبيت يفكر ويخطط ويرسم ويشكل ما يراه مناسبا وعلى المقاييس في تنفيذ إستراتجيته للقطاع، ثم يعيد الكرة ويعاودها غير متأكد من نجاعتها وقوتها وتماسكها، يتقدم هنا ويتراجع هناك، يصيب هنا ويخطأ هناك، فقد ورث واقع مشحون وثقيل بالمشاكل والمطبات والعراقيل التي خلفها من سبقه للمنصب.

تلك حال الوزيرة مليكة بن دودة منذ أن تولت المنصب، حيث أصبحت أكثر محافظة وترقب وبطء وكأنها تتمثل ما قالته الفيلسوفة حنا أرنت العزيزة على قلبها رمزها ومريدتها التي أفردت لها كتابا يقلب في مسارها ويفكك ويتتبع خطواتها… قالت أن: “أكثر الثوريين تطرفا يتحول إلى محافظ في اليوم التالي للثورة”. 

ما الذي تغير في القطاع بعدما مكثت فيه هذه المدة؟.. وكيف سيكون بعد أن تجدد فيها العهد والوعد؟.. هل ستتخلص من حالات الخمول والكمون وتحدث ما لا يدخل في حسبان أحد من تثوير جذري للقطاع وتفاجئ أقرب الأقربين إليها.

يتذكر من يعرف كيف كانت مليكة بن دودة ثورية ناقمة وساخطة ومتمردة على السلطة في الأيام الأولى للحراك والأشهر التي تلاه.. ثم بعد أن أصبحت وزيرة خفتت هذه الثورة في اليوم التالي للحراك، كان الجميع ينتظر أن ترتسم وتزهو هذه الثورية في أولى قراراتها بما أنها مشبعة ومتخمة بروح التمرد والثورة والعصيان، ولكنها تجمدت وجمدت هذه الروح والعنفوان، فمغريات السلطة وغواياتها تختلف عن مغريات الشارع والثورات، تلك محاطة بهالة الحضور اللافت والحراسة المشددة ورنين النفوذ والأمر والقوافل التي تنتظر إشاراتها على باب ملكها، وتلك خليط مبهم من أفكار مجردة وأحلام وأوهام سرعان ما تستيقظ وتصدم بما هو أشد وأقسى على العين والعقل والفكر والروح.. تلك مقامات العلى وهذيك في أسفل أزقة النقاشات والجدل والقول الذي لا يسمن ولا يغني من الجوع.

هل أدركت مليكة هذا الفرق المفرق بين أن تكون وزيرا متمتع ومتمنع عن اليد وأن تكون ثوريا بأيد فارغة إلا من الهتاف والصراخ والثرثرة ثم تعود إلى بيتك تحصي عدد الكلمات المتنافرة التي سربتها إما في وسط الجموع أو على جدارك في الفايس بوك متلقيا العشرات من اللايكات الإفتراضية الواهمة من هنا وهناك.

أخال الوزيرة الآن بعد أن ريحها الرئيس تبون من هم القلق مشغولة تنظر إلى ما وراءها إلى ستة أو سبع أشهر عجافا لما هو قادم قد يكون أهم وأنفع من الثرثرات المتلاوحة في كل مكان.

لم تستطع الوزيرة في الفترة السابقة السيطرة على مفاصل الوزارة، أحاطت نفسها بمستشارين وهذا من حقها المطلق، أبرزهم 3 أثاروا المفاجأة واللغط ليس بما يملكونه من روح ثقافية وتلك مسألة أخرى، جاءت بهم من حقول متنافرة بعضها عن بعض، أقربهم إليها ولديها ذلك القادم من عالم الفلسفة، حاولت من خلاله سد الثغرة الغائبة في جسد الثقافة.. التفكير والتجريد والتفلسف، ومنحته منصبا ووقتا لتطوير حقل الكتاب، غير أنه صال وجال خلال كل هذه الفترة دون أن يحدث شيء في هذا المجال حيث المعاناة والسقوط الحر للكتاب ولم يعد له أي رائحة أو وجود، بل ما تردد أنه قضى وقته في مناورات وجلوس طويل على المكتب متأملا وغارقا، في الوقت الذي يجمع الكل على أن الكتاب لا يحتاج إلى وقت إضافي أكثر ومعالجة مشاكله سهلة ويسيرة تتطلب فقط اليقظة والإصلاح الفوري المكتوب والمكرر في العديد من المناشير والمراسلات والمقترحات التي تتوارد على مكتب الوزارة منذ عهد وزراء سابقين. 

ثاني أبرز مستشاريه مسرحي وإعلامي وروائي قيل أنه أحدث عند تعيينه ردة فعل قوية في مبنى الوزارة قبل أن يحدثها في الأوساط الثقافية، كان أول ما أنجزه ثم تخلى عنه في ظروف غامضة مجلة “إنزياحات”، فكر وقدر، وفي وقت قياسي خرجت المجلة وحركت الغبار وصوبت السهام عليها، وبين الرفض والقبول والإستنكار والإعجاب قاومت فلول الرموز الزرقاء الذين صبوا عليها نار ذات لهب، صدرت بالقوة والأمر الواقع بعد فترة من سبات كسبات أهل الكهف، تغيرت مجلة “الثقافة” وأصبح لها اسم آخر وطاقم جديد وتصور جديد ورؤية جديدة وكـتـّاب جدد، لم تفلح في فتح شباك القبول لدى الكثيرين بل حتى من هم محسوبين على الثقافة هاجموها، قيل فيها ما قيل، وتحت وابل الضغوط والضرب تحت الحزام أنسحب عـرابها وتركها تغلي بحرائقها حتى هدئت إلى حين على يد طاقم جديد ودخلت في لحظة كمون.. لم يراها ولم يلمسها أي أحد اللهم  إلا بعض من سنحت له الفرصة لإقتناءها، وظل وجودها مجرد فكرة مبثوثة في الهواء والنت وفي أفواه أصحابها.

بقي المستشار وحيدا في عزلته داخل مبنى الوزارة، أكتشف أن أمور الثقافة ليست بخير ليس فقط من جهة الإدارة الثقيلة التي تتمتع بها الوزارة بل من جهات أخرى خاصة من فاعليها وناشئيها وهم أشد وطأ وأقوم ثرثرة ونميمة، وهو يحاول أن يتجاوز هذا الوضع البائس بما يطرحها        كما يقول من أفكار للتغير والتصحيح الثوري لواقع الثقافة ومبادرات قد تأتي أكلها إلى حين            أو قد تستغرق وتغرق كغيرها في الوقت الضائع والمسالك التي لا تنتهي.

أحاطت الوزيرة أيضا سياج محيطها بشاب روائي منطلق وغاضب وطامح، آلت إليه المجلة في لحظة تراجيدية أنسحب على إثرها عرابها المشار إليه سابقا، معروف في الأوساط الأدبية والإعلامية كمساهم وناشط في الحياة الثقافية، لا أحد يعرف كيف تدرج ووصل إلى هناك          وهو الأمر الذي أغضب الكثيرين من أقرانه، وهلل له آخرين باعتباره نقلة نوعية وفرصة ذهبية للشاب كي يعلي من شأن جيله الذي عانى من التهميش، وهي سانحة لا تتاح لأي كان، ولكنه وقع في مسرح القيل والقال، وتتبع ما ينشر من أخبار والوقوع في طائلة الردود السلبية، ولم يبتعد قدر الإمكان عن الإقصاء والنبذ والنميمة في أذن الوزيرة بما تحب أن تسمعه وتراها، ولم يكف عن ممارسة سياسة “راهم حقرونا” و”راهم ما خلاوناش نبانو” من قبل، وغيرها من الأقاويل التي تربك وتضيع الوقت.. وكرر ما نبه إليه العديد من الأصدقاء من تفشي قيم الزعامات الوهمية والأفضال والتعصب والشللية والولاءات المريبة على حساب آخرين، وهذه الأفعال ستضر ليس بصورته فقط بل بصورة الوزيرة التي توسمت فيه طاقة الشباب الإيجابية التي وإن أصر على المضي في هده المنحى ستتبدد هذه الثقة وتذوب وتذهب أدراج الرياح.

ماذا ستفعل الوزيرة الآن؟

هل ستتخلى عن وضعها المريح على كرسي الثقافة وتنزل إلى شارع الثقافة المفعم بالتحولات والمصاب بالشلل والعقم؟

هل تكشف عن حقيقة ثورتها المخبئة بعناية مركزة من أيامها الأخيرة في الحراك وتلقي بها في الخضم، قائدةً لسفينة التغير والتثوير؟.. وستكون لها القدرة على تحريك حجرة الفلسفة من مكانها ومكمنها العالي وتفتته على الأرض الحية للثقافة لتكتب في سجل المنجزات الكبرى للدولة.. ذلك ما سننتظره.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: