أعمدة الرأيسياسةعـــاجلميديا

الظهور الأول وشيطان الفايسبوك

اهتدى صناع لعبة الإعلام إلى خلق الوسائط الالكترونية لتكون ابرز أسلحة حروب الجيل الرابع وأشدها فتكا. وبذلك حين تفتح الآلة الإعلامية المجال لشيء أو موضوع ما، تتلقفه وسائل التواصل الاجتماعي وتندمج في صناعة الرأي العام، فيظن المتفاعلون أنهم يلمون بكل ما يجري مع أن ما يجري غالبا هو غير الذي يطلعون عليه عبر الإعلام التي يشكل وعي الرأي العام ويحدد اتجاهاته.

الأفلان، الصحافة والفايسبوك:

إن حروب الجيل الرابع، التي تستهدف الضغط العصبي الفردي والوعي الجمعي، لم يعرفها ولم يخضها الجيل الذي فجر الثورة التحريرية وأسس جبهة التحرير الوطني، فحروبه كانت تطلق فيها النيران وتسيل الدماء.

لكن الحرب الحديثة التي تهدف النيل من حزب جبهة التحرير الوطني وإنهاء وجوده، ليست هينة على الإطلاق رغم “سلميتها” الرمزية!

بسبب الأداء السيئ للقيادات المتعاقبة على الافلان وخروج اغلب معاركه الداخلية إلى العلن من جهة، والموقف المبدئي المضاد للحزب لدى الكثير من أهل الصحافة من الجهة الأخرى، انتشر في العقد الأخير خطاب التمييز والكراهية الموجه ضد الأفلان والأفلانيين.

وجرى توجيه مستعملي مواقع التواصل الافتراضي، وبالأخص الجماهير الفايسبوكية، خلف دعاية التدمير، فصار ذكر الافلان وكل ما يتعلق به في اي وسيلة إعلامية يحرك عندهم نوازع التهيج والإثارة، فتنطلق حملات السب والهجاء دون الاطلاع على المضمون في اغلب الحالات ومحاولة فهمه؛ وهو ما تكرر عقب الظهور الأول للامين العام الجديد للحزب المنتخب في 30ماي2020. 

وهكذا، فما اجتمع الافلان والصحافة إلا وكان شيطان الفايسبوك ثالثهما.. 

شؤون الخاصة في فقه العامة: 

خلال الندوة الصحفية التي تزامنت مع الظهور الأول للامين العام في الجهاز المركزي، اعتمد بعجي أسلوب المصارحة والمكاشفة والمواجهة المباشرة في رده على أسئلة الصحفيين، مستخدما بعض الرموز السياسية التي صارت دارجة منذ 22فيفري2019 وارتبطت بالحراك لعرض الوضعية الكارثية التي بلغها الحزب على مدى الثلاث سنوات الأخيرة. 

لكن تلك التصريحات -على وضوحها- أحدثت هزة في شبكات التواصل لغير المطلعين على شؤون الحزب، خاصة وان الفضائيات والمواقع الإخبارية تعمدت الاجتزاء والنقل الحرفي، دون أن تكلف نفسها عناء إيصال المعنى الحقيقي لجمل أخرجت عن سياقها، لأجل خلق الجدل وجذب اكبر عدد من المشاهدات والتعليقات السلبية..

أربكت استقالة عمار سعداني المفاجئة صفوف الافلان، وزاد الوضع سوءا بفرض جمال ولد عباس كخليفة، فبدأ عهده الآثم بتحييد المكتب السياسي وتجميد اللجنة المركزية في مقابل تحويل المبنى المركزي في حيدرة إلى ناد للوزراء السابقين. وتم اختطاف الحزب بشكل كامل أثناء التحضير للقوائم الانتخابية التشريعية والمحلية (2017) والفضائح التي صاحبت إعدادها خارج الأطر النظامية من لوبيات المال التي لا تمت للحزب بصلة وتغيير الأسماء والترتيب حتى بعد نزول القوائم إلى الولايات، وما رافق العملية من رشاوى وشراء ذمم ومتابعات قضائية بعد سقوط النظام السابق. وفي مقابل الفئة التي استفادت من ذلك العبث وأيدته، كانت هناك شريحة واسعة داخل الحزب تندد باختطافه، وهو ما اصطلح عليه بعجي بحراك 2017،  وترفض أن يتواجد على رأسه عجوز خرف مهووس بتشييد أمجاد شخصية على تل من الادعاءات الكاذبة، التي أصبحت نكاتا يتندر بها أهل الافلان نفسهم وكذلك الإعلام والفايسبوك على حد السواء.

ثم كانت النكسة الأكبر بتنصيب معاذ بوشارب وساعتها أغلق الحزب “بالكادنة” وحُلت كل هياكله وانتهى وجوده! لم يجانب بعجي الصواب حين صرح أن الحزب لم يدعم العهدة الخامسة، ببساطة لأن حزب الافلان لم يكن موجودا وقتها، وحل محله حزب “هيئة التنسيق”! فلا بوشارب عضو في اللجنة المركزية للأفلان كي يتمكن من بلوغ الأمانة العامة، ولا هيئة التنسيق موجودة في القانون الأساسي؛ بل بدعة لجأ إليها بوشارب لتكريس لاشرعيته. 

وباسم حزب هيئة التنسيق جرت الدعوة للعهدة الخامسة ولقاء القاعة البيضاوية لأجل رد الجميل للقوى غير الدستورية التي سلمت الحزب تسليم أهالي للفتى الذهبي للسعيد، والذي مازال يناور للعودة بالتشكيك -بوقاحة لا حد لها- في شرعية المنتخب.

ميثاق العتيد – صاحبة الجلالة:

إن أخلقة العمل السياسي يقتضي التزام طرفي اللعبة بالمبادئ القائمة على الأخلاق والاحترام المتبادل، فلا الحزب يستغبي الصحافة ولا الصحافة تتمادى في قدح الحزب. وإن ما نحتاجه اليوم، كحزب مريض يسعى للنهوض من كبواته واستعاده بريقه وريادته، هو تأسيس ميثاق حقيقي يتخلله ممارسة حزبية نظامية نزيهة، وأداء إعلامي صحفي منصف. 

من ناحية الحزب في عهده الجديد، يدرك بعجي أهمية ودور الصحافة لذا جعل الملف الإعلامي أولويته ووضع خطة طريق لتصحيح أوضاع الحزب وإصلاح صورته عند مناضليه والرأي العام أيضا، ومواكبة التطور الحاصل في وسائل التواصل واستقطاب القالب الإعلامي المناهض للأفلان، إيمانا منه بأن الفايسبوك هو أفيون العصر ومن يجيد إدارته لصالحه يكسب معركته.

وعلى الصحافة، من الناحية الثانية، ترك تحيزها عند عتبة المقر المركزي للحزب والتجرد من أحكامها المسبقة؛ فالأمر لا يتعلق بمصارعة بين خصوم تنتهي بالضربة القاضية، بل بعلاقة تكامل. فلا الحزب يستطيع الاستغناء عن الإعلام، ولا الإعلام يتوقف عن تغطية أخبار الحزب.

 لذا وجب ضبط المعايير التي تحكم العلاقة بين الطرفين وضمان تغطية إعلامية صادقة لا تشوه المعنى بعناوين مثيرة لللغط، عبر صحفيين يعرفون كيف تصل الرسالة بلا تحريف، وعلى اطلاع كاف بالمستجدات لتفادي الوقوع في فخ النمطية والاستفزاز والأسئلة المكررة وتلك التي تنم عن عدم دراية، فلا يعقل مثلا أن تسأل صحفية -في ندوة السبت الماضي- إن كان الحزب قد شرع في مناقشة الدستور عبر مكتبه السياسي!! وكأنها لا تعلم أن بعجي لم يعلن بعد عن تشكيلة مكتبه السياسي وان عملية مناقشة التعديل الدستوري انطلقت منذ أشهر وتم تكليف لجنة مختصة لمراجعة المقترحات السابقة وتقديم الإضافات الممكنة.

ثم يسأل صحفي آخر عن إرجاع حزب جبهة التحرير الوطني إلى الشعب!! وكأن ما يزيد عن 500 ألف مناضل وملايين المتعاطفين لا ينتمون إلى الشعب!

على أهل الصحافة أن يكونوا اكثر ابتكارا ويبحثوا عن أسئلة خارج الصندوق، لأن الحزب في طور استعادة العافية والشرعية، ولن يصبح بإمكان صاحبة الجلالة السلطة الرابعة الاستئساد عليه والنبش في ملفات ماض لا تتحمل مسؤوليته القيادة الجديدة وجره إلى حلبة التنمر والإضحاك وكأن الساحة السياسية سيرك كبير!

لابد ألاّ يصاحب اجتماع الطرفين المغالاة والتهويل، فلا يستهزأ الحزب بالرأي العام ويتحلى بروح المسؤولية في أفعاله وأقواله، في مقابل أن يبلغ الصحفي الرسالة بلا مبالغة ويلتزم الوقوف على الحياد. لأن تصاعد الحملات الإعلامية المكثفة والدعايات المضادة يتناسب طرديا مع تزايد ممارسة العنف المعنوي ضد الافلان خاصة في منصات الفايسبوك. 

ميمونة التي لا يعرفها الفايسبوك: 

في الموروث الشعبي، ميمونة هي سيدة بسيطة ناسكة، ساذجة في عباداتها، تؤديها على سجيتها لأنها جاهلة بالقواعد الصحيحة للفرائض، فكانت تؤدي صلواتها على طريقتها الخاصة التي يقابلها أهل القرية بالاستهجان، لكنها كانت ترجو أن يتقبل الله عباداتها وتقربها له لأن فطرتها سليمة. لذا قيل ميمونة تعرف ربي، وربي يعرف ميمونة. 

وبالمثل فإن ناس الفايسبوك وشريحة واسعة من الرأي العام لا يعجبهم تعبد ميمونة الافلان، ويستكثرون على القواعد النضالية التمسك بحزبهم، غير عارفين بمناطق الظل في الحزب..

يتعذر على الكثيرين فهم سر تشبث المناضلين بحزبهم، فتجدهم ينصبون أنفسهم مكان ضمائرنا ويطلقون أحكاما جزافية بخروجنا عن الصف الوطني، متغافلين أن بيان أول نوفمبر هو مرجعية الحزب دون سواه.

خاتمة القول:

إن الحزب لن يدخل المتحف والتسمية لن تتغير، والانخراط في الافلان ليس مغامرة عابرة أو نزهة قصيرة، وإنما عهد على السراء والضراء. ولا يحق لأي احد الحكم على الحزب وقواعده بالإعدام لمجرد أن طريقة ممارسته لدوره الوطني يراها البعض غير صائبة، وباب المراجعة والتصحيح مازال مفتوحا وفرصة بدء عهد جديد متاحة. 

لكن يبقى ردم الهوة بين الافلان والفايسبوك مشروعا يتطلب الكثير من الجهد والصدق واثبات حسن النوايا والنفس الطويل. 

                                                             بقلم: إيناس نجلاوي

     عضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: