أحدث الأخبارأعمدة الرأيعـــاجل

‏لا تظلموا الصفر.. فهو بريء!


بقلم : عزالدين ميهوبي

لو سُئلتم عن أعظم إنجاز ابتكره الانسان منذ أن قضم تفاحة الجنة فوجد نفسه في الأرض.. سيقول بعضكم الكهرباء أو الطائرة، ويصرّ بعضكم علىأنّه السيارة أو السينما أوالتلفزيون أو الهاتف أو الأنترنيت أو المكّوك الفضائي أو كرة القدم.. وهكذا لا يتفق الناس على أعظم إنجاز حققه الانسان منذ بدء الخلق، فلا يخرجون عن دائرة المبتكرات التكنولوجية والاختراعات العلمية.. أمّا أنا فأرى شخصيا أن المنجز الحقيقي للانسان هو الصفر.. هذه الدائرة التي نرسمها بأقلامنا، وتشبه الفم المفتوح. أطلق عليه الهنود والعرب “أداة الشيطان في الحساب”، وبذلك برأوا الشيطان من المنكرات وأفعال الشر، وكرّسه الخوارزمي في مؤلفاته ليأخذه عنه علماء أوروبا وفي مقدمتهم الايطالي فيبوناتشي الذي درس على يد علماء بجاية فن الحساب وراح ينشر ما تعلمه برعاية ملوك أوروبا الذين اكتشفوا أنهم كانوا أجهل من أبي جهل.. ويُدين تجار فلورنسا بكثير من الامتنان لصفر الخوارزمي لأنه جنبهم متاعب الحساب الذي ورثوره عن آبائهم الرومان والذي يُختزل في تسعة أرقام دون الصفر..
وعلى ذكر التسعة أصفار، سأنقص منها واحدًا لتصير ثمانية، أي 00000000، وهو الرقم الذي استخدمته أمريكا مفتاحًا لشفرتها عند إطلاق صواريخها النووية.. خلال الحرب الباردة. قد تبدو فكرة اهتيارها ساذجة، ولكنها صحيحة، ثمانية أرقام متشابهة لا تثير أي شبهة. سلسلة أصفار متراصة، وضعت العالم على كف عفريت، لو أخطأت أصابع أحدهم، وتلاعبت بها، لاستحال الكوكب إلى رماد ..
يطرح الدكتور عماد فوزي شعيبي تجربة ذهنية ذت طبيعة فلسفية وفيزيائية ورياضية حول ماهية الصفر أو العدم الذي سبق الوجود قبل الانفجار العظيم Big Bang أي قبل نحو أقل من 14 مليار سنة، ويصل بعد تفكيك للسؤال على مختلف الأوجه، “إذا كان الصفر، أي العدم، لم يكن موجودا قبل وجودنا، فكيف ظهر بعد وجودنا بالموت؟؟ إذن الصفر ليس عدمًا”. وهو ما يحيلنا على أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة، وجدلية الفكرة أم اللغة. ومع هذا يظل الصفر لغزًا، وبفضله يُحل كثير من الألغاز..
والغريب أنّ إشكالية العلماء وخبراء الفيروسات في العالم هذه الأيام هي إطلاق عمليه بحث في فائدة
(المريض صفر) الذي ابتلعته شوارع ووهان، ولم يعد أحد يتذكر ملامحه، لأنه مفتاح الحل، لكن الصينيين كما تعلمون لا يشبهون بعضهم.. فمن يعثر عليه، سيحصل على جائزة من شركة علي بابا..
والصفر ليس مجرّد رقم تحل به المشكلات الحسابية، بل يعني لدى الأمم أشياء كثيرة، فإذا كان العرب ينظرون إليه على أنه مجرد أداة تستخدم في الحساب، وأحيانا للدلالة على الفشل والخيبة، فإن الغرب ينظرون إليه كرمز للخلود، والهندوس كرمز للفراغ، واليهود كأرصدة في بنوك العالم…
والصفر احتل مكانة كبيرة في عالم الفن والإبداع، إذ أن عشرات الأفلام التي حملت عنوان صفر أو زيرو للدلالة على أن نهاية الفيلم ليست سعيدة بالتأكيد، أبرزها الفيلم الوثائقي ZERO Inchiesta sull’ 11 settembre للكاتب والصحفي والسياسي الإيطالي المثير للجدل جيولياتو شييزا Giulietto Chiesa الذي يفند أطروحة الهجوم على برجي التجارة العالمي، ويُعرف شييزا بمواقفه اليسارية ومجابهته للبروباغاندا، توفي يوم 26 أبريل من هذه السنة. كما تتبعت عددا من الأفلام الوثائقية حول تاريخ الصفر وتنقلاته بين القارات، وهي لا تغمط حق العرب والمسلمين في هذا الرقم الذي فك عقدة الحساب والرياضيات والهندسة، فتُذكر أسماء الخوارزمي والكندي وعلماء بجاية كمراجع لذلك.
بفضل الصفر اخترع إديسون الكهرباء، ونوبل الديناميت، ونيوتن الجاذبية، ووضع أينشتاين نظرية النسبية، وأسس بيل غيتس إمبراطورية الويندوزواخترق زوكربيرغ البيوت بالفايس بوك.. فإذا كانت أوروبا وأمريكا والصين واليابان، فهمت وظيفة الصفر، وجعلته على اليمين، فإن العرب وضعوه على الشِّمال، لتكون، للأسف، معظم حساباتهم صفرا على الشِّمال وفقاعات في الهواء. فبقدر تباهينا بتاريخنا وحضارتنا وإسهامنا في تطوّر العالم، من واجبنا أن نعترف اليوم أن الصّفر لم يغادر مكانه (..)، بل إنّه لا يفارقنا في أي محفل كنا فيه. سياسيا مثلا، ليس هناك من يقنعنا أننا أفضل حالا مما كنّا عليه منذ ستين سنة، فالعالم يقتات من أخبارنا، ثورات وانتفاضات وانتكاسات وفساد.. والمحصّلة صفرٌ سياسيّ بامتياز. أما اقتصاديا فإن أصفارنا من النفط يحسبها الغرب من اليمين ونقبضُ نحن أصفارا من الشِّمال، وبين اليمين والشمال يشكو الناس الفاقة والفقر وتستمرّ مواجهة القط والفأر (..) وثقافيا كشفت التقارير أن المنتوج الثقافي في الوطن العربي يكاد يساوي صفرا بحجم الكرة الأرضية، إذ يكفي أن اليونان، البلد الاوروبي الفقير، الغارق في أزمة لم يعرفها منذ تجرّع سقراط السمّ، يترجم من الكتب ما لو اجتمع العرب كلهم ما بلغوا 5 بالمائة من رصيد الاغريق.. أي أننا فعلا أمة لا تقرأ وإذا قرأت فإنها لا تفهم وإذا فهمت اكتشفت أنها الأقرب إلى الصفر في المعرفة. أما علميا فكل شيء يأتي من أولئك الذين فهموا وظيفة الصفر فحوّلوه إلى ماكنة لإنتاج أصفار متراصّة على اليمين. أما علاقتنا بالزمن فإننا لم نفلح في جعل الصفر يخرج من بين عقارب الساعة، حتى قال لنا الأجانب نحن نملك الزمن وأنتم تملكون الساعات السويسرية الفاخرة لفرط تفننا في اختيار الماركات. أما رياضيا فإن للصفر موقعا كبيرا في حياتنا، فالجلد المنفوخ يشبه الصفر، فلا نخرج من أي مواجهة إلاّ بصفر اليدين، نُصفّرُ بالشفتين.. وإذا حدث وأن اختفى الصّفر في مباراة أو مونديال أو أولمبياد فإنه سرعان ما يعود.. وأذكر أن هناك من المعلقين الرياضيين الذين نستمع إليهم في وصف المباريات يفضلون تعويض كلمة صفر بلا شيء، لأنه يرمز إلى معنى سلبي، والصفر أصبح يُطلق على الكسالى والعاجزين عن تحقيق نتائج ترفع الرأس. فبعضهم يقول لقد خرج الفريق بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها، ويقول آخرون إن الفريق خرج من المولد بلا حمص.. وفي أحسن الأحوال يعبّرون عن النتائج الصفرية بالبيضاء وهي في حقيقتها سوداء، وبعضهم يقول لقد عاد المنتخب بخفي حنين.. والنتيجة أصفار مكعبة يُعبّر عنها بلغة مؤدّبة ضمن معان مهذّبة.. أحيانا نستخدم الصفر للتشفي في فريق معين، ونسعى للانتقام من إدارته أو جمهوره أو حكومة بلده بالتركيز على الصفر. ألم تقم الدنيا في أمّ الدنيا حين خرجت مصر من مسابقة احتضان مونديال 2010 بصفر صوت(..) وصار الوزير عليّ الدين هلال يحمل اسم “الوزيرو” مع تقديرنا له، وهو من أبرز المثقفين والمفكرين. وخرج محاربو الصحراء بصفر هدف من مونديالجنوب إفريقيا 2010. إننا نخجل كثيرا من الصّفر، لأنه صار ملازما لنا، وليس من حقنا أن نهين الصفر لأننا صرنا الأقرب إليه من غيرنا، فإذا نافسناغيرنا كان نصيبنا الصفر أو ما يوازيه كالهزيمة مثلا وهي صورة تجريدية للصفر، أو الإقصاء وهو أقصى درجات التعبير عن المنطق الصفري المعتمد في أدبياتنا الرياضية والثقافية وبورصات الاقتصاد والسياسة.. العالم مدينٌللعرب لأنهم نقلوا إليه الصفر، لكنه لم يفهم تماما لماذا لم يخرجوا منه وظلوا يدورون داخل حلقته، وكأنهم يبحثون عن منفذ، كما هم في السياسة.. لكنّالعالم أيضا لم يكن يعرف أن مشكلة العرب تكمن في أنهم حين اكتشفوا الصفر احتاروا في أي مكان يضعونه بين الأرقام الأخرى، على اليمين أم اليسار، فتشاوروا طويلا ثم وضعوه على اليسار وانتظروا لعله يتحرك فلم يفعل.. وتلك هي المصيبة، فهل الذنب يتحمّله الخوارزمي أم مفسرو الرؤى والأحلام الذي قالوا إن من يرى صفرًا في منامه فبشره بالخيبة والخسران، أما إذا كانت امرأة حاملا فبشرها بغلام، وإذا كان صاحب الرؤية تاجرًا فكأنه يقبض مالاً من يهودي؟ غير أننا أمام شعورنا بالمرارة والخسران نكتفي بالقول: علينا أن نبدأ من الصفر..
قد أبدو قاسيا في بعض ما كتبت، ذلك لأنني بقدر اعتزازي بما حققه الأجداد، أشعر أحيانا بأننا بعيدون عن العالم، أو أننا خارج مجال التغطية مثلما نتلذذ بسماع ذلك في رنات الهواتف المحمولة، لأننا تركنا مفاتيح المستقبل عند أبواب قصر الحمراء في غرناطة، وجلسنا عند عتبة التاريخ ننتظر المعجزة التي لن تأتي..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: