أعمدة الرأيثقاقةعـــاجل

اللغة والناقة والدبابة.. (1)

لم يكن ديفيد بن غوريون بحاجة إلى مليون كلمة ليجعل من العبريّة لغة كيانه الإستيطاني الطّالع من ضلع فلسطين قبل أكثر من سبعين عامًا.. فقد أشار عليه مستشاروه إلى أنّ لغة اليديش، شبه الميتة، في حواري اليهود بأوروبا الشرقية كفيلة بأن تكون المعبّر الأبرز عن هويّة مسخ سياسيّ مبتكر كما يقول المؤرّخ المتنصّل من يهوديّته شلومو صاند.. فاعتمدها بن غوريون وهو الذي قال هل يمكن للغة انتهت منذ ألفي سنة أن تُبعث من جديد؟.


بدأ مُعجم العبريّة بخمسة آلاف وستمائة كلمة فقط، واعتمد لغويّوها النحو العربي لتطويرها، وأهابوا بقدرة العربيّة في منح اللغة العبريّة إمكانات جعله كيانًا مكتمل الأركان، ولم تمض سنوات حتّى كان هذا الخليط من لهجة الحواري وقاموس التوراة مستخدمًا في معهد “وايزمن” للذرّة، وصار الطفل “الاسرائيلي” عارفًا بمداخل ومخارج العبريّة في أقل من ثماني سنوات.. وكلّ هذا يبدو أمرًا طبيعيّا، طالما هناك رغبة في استحداث ثوابت لكيان غير ثابت، إلاّ أنّ غير الطبيعي هو ما قرأته قبل فترة من أن للجمل أكثر من ستّة آلاف اسم في اللغة العربيّة أو ما ارتبط به، حسب المستشرق الألماني دوهامر De Hammer قبل مائتي سنة، وأمام هذا الرّقم، لم أجد بدّا من ضرب أخماسي بأسداسي، وأقول “أليس من العجب أن تكون أسماء ناقةٌ شاردة في صحراء العرب أكبر عددا من معجم من لغة هجينة؟” أي أنّ العبريّة بمعجمها لم تصل عدد كلمات جَمل عربيّ من قبيل ناقة ومطيّة وفحل وبعير وبكرة وخلفة ولقحة وخلوج وهجن وهمل وراحلة وذلول وعشراء وزمل وقعود وعيس ومسوح ودوسر وبخت وقلوص وشول وشملال وقوداء ووجناء.. وغيرها كثير. وهذا يعني أنّ العبريّة لا تحتمل أكثر من اسم واحد للجمل.
وليس غريبًا أن يجعل اللغويون العرب من كتاب “العين” للفراهيدي مرجعًا لهم في عدد كلمات اللغة العربية، إذ أنّ نظريّة التقليب (أي قلب المعنى بإعادة ترتيب الحروف، مثل كمال، كلام، ملاك..) أنتجت 12.305,412 كلمة يحالُ كثيرٌ منها على متحف اللغة كونه لا يُستعمل أو لا معنى له، بل إنّ الباحث العربيّ يكفيه استخدام ما بين 0.04% و من 0.1% متون اللسان العربي في عديد المجالات، أي 12 ألف كلمة.. والحقيقة أن هذه النسبة توصلتُ إليها، شخصيا، بعد إنجاز دراسة حول الأمن اللغوي والحروب اللغوية العام 2006، معتمدًا على معايير اليونيسكو التي تشير إلى أنه يكفي الإنسان ثلاثة آلاف كلمة للتواصل، وستة آلاف كلمة للقراءة والكتابة والتعبير، واثنتي عشرة كلمة للتفكير والتأليف والإنتاج الثقافي والعلمي.. وأذكرُ أنّ ناقدًا أدبيا أحصى وجود 280 كلمة استخدمها شاعر جزائريُّ في ديوان من مائة وعشرين صفحة.. والسّبب أنّه يكرّر الألفاظ نفسها في قصائده المنثورة. وبمعنى آخر أنّ الفقر ليس في معجم اللغة العربيّة ولكن الشّحّ بارزٌ في مستخدميها، أي أنّهم مستثمرون سيئون..
وأمّا الانجليزيّة فيقدّر خبراء اللغة أنّ قاموس أوكسفورد أحصى مليون كلمة أقلّ من نصفها مستورد من لغات كثيرة، ومن اجتهادات عصر بيل غيتس، أمّا نصفها الآخر فهو ملك لشكسبير وشركائه في تاريخ الآداب والمعارف الانجليزيّة.. ولعلّ التحوّل الذي حدث في البنية اللغوية للإنجليزيّة هو الذي دفع كثيرًا من اللغويين الانجليز إلى المطالبة بتفعيل فكرة “الأكاديمية الملكيّة للغة الانجليزيّة” بعد أن تحوّلت “قاتلة اللغات” كما يُطلق عليها إلى مجرّد “برنامج معلوماتي” مثلما وصفها الصّناعي الفرنكو- لبناني كارلوس غصن.. ومع هذا فهي اللغة الوحيدة التي بلغت سقف العالميّة، عكس اللغة الفرنسيّة التي لم تنفع معها عمليات حقنها بمنشّطات ثقافيّة وسياسيّة، لتحافظ على موقعها في العالم، إذ أنّها اعترفت مكرهة في ربيع 2013 أنّ جامعات فرنسا لم تعد قادرة على مواكبة وتيرة البحث العلمي بلغة فولتير، فاتخذت قرارًا تاريخيًا، رغم معارضة الأكاديميّة الفرنسيّة ومجمع الخالدين فيها، وكذا منظّمة الفرنكفونيّة، يقضي بالسّماح للطلبة والباحثين الفرنسيين باستخدام اللغة الانجليزيّة في البحث، وإلاّ فلن تجد فرنسا في قادم السنوات باحثًا واحدًا يتحدّث عن لاماراتين أو بروست.. كما قالت الوزيرة فيوراسو Fioraso صاحبة القانون الذي اغتال الفرنسيّة في بيتها.. كما قال مناوئوها.
قد يُفسر هذا بكون اللغة الفرنسية، في وضعها الحالي، هي ضحية سياسة “الاستثناء الثقافي” ومنطق “اللغة النقية” ورفض تلاقحها مع اللغات الأخرى لتوسيع معجمها من المفردات والمصطلحات والتراكيب اللغوية الجديدة، كما هو الشأن بالنسبة للإنجليزية التي تأخذ من كل اللغات دون عقدة، حتى قيل إن قاموسها يتشكل من 60% أصلي و40% مستورد.. فإذا قمت بغلق الأبواب والنوافذ.. ستختنق لا محالة.
لقد انتشرت في العالم مفردات ومفاهيم جديدة ذات صلة باللّغة، وتحولت إلى عنصر حاسم في تبيان شكل الدولة وهوية المجتمع. وانبرى كثير من الباحثين والمختصين في الألسنية واللّغويات إلى تعقب نشوء اللّغة وانتشارها والتهديدات التي تتعرض لها، وتحديد ظروف انتعاشها أو موتها. ومن بين المفاهيم والعناوين التي طبعت المسألة اللّغوية في العالم بروز ما أطلق عليه «الأمن اللّغوي» و«الحرب اللّغوية» و«صدام اللغات» و«الهجوم اللّغوي» و«التلوث اللّغوي» و«الافتراس اللّغوي» و«السوق اللّغوية» و«وضع نظام لغوي عالمي جديد» و«موت اللّغة» و«لغة الوطن ولغة المواطنين» و«التعايش اللّغوي» و«التنوع اللّغوي» و«التفاعل اللّغوي» و«الحقوق اللّغوية» و«اللغات الطبيعية» و«اللغات المصطنعة» وغيرها من المصطلحات التي انتشرت بصورة واسعة، وبدرجة أخص في البلدان التي تعيش تنوعا لغويا يصل أحيانا إلى صراع بين لغة مهيمنة وأخرى مقاوِمة من أجل البقاء أو ساعية إلى الانتشار.
ولأن اللّغة كائن اجتماعي يولد ويكبر ويشيخ وقد يموت، فإن الأبحاث العلمية تتجه اليوم، بعد أن تساءلت عما إذا كانت اللّغة مخلوقة أو مبتكرة، إلى دراسة ظاهرة انتشار اللّغة وموتها وكذا وضع ملامح حروب لغوية سرية ومعلنة، وأصدرت بهذا الشأن اليونيسكو عددا من التقارير التي شخصت واقع اللغات في العالم، ونبهت إلى ضرورة حماية لغات الأقليات، والحفاظ عليها باعتبارها من التراث الإنساني.
وإذا كانت كل اللّغات تعيش حالة تفاعل مع التحولات التي يشهدها العالم، فاللّغة العربية عرفت بفعل حرب أفغانستان 2001 التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر، انتشارا واسعا لها في كثير من بلدان العالم، وبدرجة أخص لدى الأمريكيين الذين زاد إقبالهم على تعلمها، وأسهم في ذلك قرار الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي أطلق في 2006 “المبادرة اللغوية للأمن القومي” تدعو إلى ضرورة تعلم عدد من اللغات منها اللّغة العربية التي عُدّت «لغة استراتيجية ومصيرية» مثل الفارسية والروسية والصينية والأوردو.. لا غنى عنها لفهم العرب والمسلمين وغيرهم، ولماذا يكرهون أمريكا؟.
فاللّغة واحدة والألسنة متعددة، حتى وإن تعددت المفاهيم، وتنوعّت التعريفات اللسانية والثقافية والاجتماعية والدينية، هي كما يقول الكاتب محمّد سليم «إنتاج اجتماعي لا يتبلور إلا في امتداد الزمن، وهي إنتاج جمعي يتحقق أيضا في الزمن، ولم يحدث أبدا في التاريخ أن اخترعت لغة، ثم جيء بها للناس وقيل لهم: عليكم أن تستبدلوا لغتكم بهذه؛ اتركوا تلك وتكلموا هذه». فوجود ستة آلاف لغة أو يزيد، يجعل السؤال قائما، هل البشرية بحاجة إلى كلّ هذا العدد أم تكفيها لغة واحدة؟. هو سؤال مردود عليه، لأنّ العالم اليوم يعيش حروبا بأسلحة مختلفة منها اللغة، وهي عنيفة جدّا وإن لم تظهر للعيان..
وإذا كان بعض الناس متشائمين من حال العربية ومستقبلها، فإنني متفائل، ولي في ذلك ما يبرّر هذا الشعور.. فاللغات اللاتينية تأكل من رصيد بعضها بعض، وتتناطح فيما بينها، بينما العربية بحاجة إلى قليل من الثقة في خبراء أبنائها ليحسنوا استثمار قدراتها، وتدبّر قاموسها الأثري بين لغات العالم..
وهناك أيضا ما يطلق عليه اللغات المصطنعة، إذ كتب الفيلسوف الفرنسي ديكارت رسالة لأحد رجال الدين في 1629 يقول فيها “على الإنسانية أن تنشئ لغة دولية، قواعدها بسيطة، يمكننا أن نتعلمها في ساعات، لها إعراب واحد، وصرف واحد، وليس فيها استثناء ولا اختلال لغوي، والكلمات تنساق خلف بعضها إلى حدّ الالتصاق”.
وليس غريبا أن يربط كثير من الكتاب والمفكرين ابتكار لغة الإسبرانتو في السنة نفسها التي أعلن فيها هرتزل عن ميلاد الحركة الصهيونية في 1887، فهل فكرة «الشتات» هي التي تفرض نفسها في نشوء حركة لغوية تهدف إلى وضع شتات لغات العالم تحت مظلة لغة واحدة هي الاسبرنتو، ونشوء حركة صهيونية لتكون مظلة ليهود الشتات؟
وقريبًا من ابتكار اللغة، سجل العلم والتكنولوجيا تطورًا مذهلا في مجال الذكاء الإصطناعي، حين اكتشف كثيرٌ من خبراء وسائل الإعلام الآلي وعلماء الكومبيوتر أن الإفراط في البرمجة والحشو المعلوماتي نتج عنه ابتكار أجهزة الكومبيوتر التي تتواصل فيما بينها لغات خاصة بها، لا دخل للعنصر البشري فيها، ولا يمكن له أن يفكر رموزها أو مفرداتها، وهو ما رفع من درجة المخاوف، وتم إيقاف البحوث في هذا المجال، لأنها تتجاوز قدرة البشر، وكأن التكنولوجيا مقبلة على ابتلاع الإنسان.. وتلك واحدة من النتائج المزلزلة للثورة الرقمية.
ومثلما يفكر العالم في إيجاد علاج للأمراض المستعصية والأوبئة والتقلبات المناخية، وكيفية التخلص من المخزون النووي.. فإنّه أيضا يفكر في مستقبل اللغات. كيف يكون المشهد اللّغوي بعد عشرين أو خمسين أو مائة عام. والحيرة كبيرة.
ومن دون شك، فإنّ اللّغةَ، تبقى مسألة معقدة، من حيث إحصاء مفرداتها. فإذا أخذنا مثلاً، أن عدد اللغات، كما تقول بعض المصادر، بلغ 14500 لغة في العالم، قبل 500 عام (أي في العام 1500) ، بقيَ منها النصف في العام 2000. والسؤال كم مفردة يمكن أن تحصى في مجموع هذه اللغات؟. إنّ العدَد سيكون بالملايين، ولكنّ المفارقة هيَ أنّه كلّما انقرضت لغةٌ ولدتْ مفردات جديدة، والسّبب أنّ الثورة الصّناعية، أنتجت مُعجمًا جديدا، بفعلِ الابتكار التّقني وما يفرضُه من ابتكار مصطلحات جديدة، ضمن أنماطٍ لغويّة جديدة (الانجليزية والفرنسيّة وحتى الصينية خاصّة)، ومع الثّورة الرّقميّة الهائلة، أخذَ المعجمُ اللّغويّ شكلاً آخرَ، يتمثل في إنتاج لُغةِ رموزٍ وإشاراتٍ وصّور، لأنّ وتيرة الإنتاج التقني أكثر سرعة من إنتاج مصطلحات لما يُنتج ويُخترع ويُبتكر في كل المجالات، التكنولوجيّة والعلميّة والاقتصاديّة، وكذا فيما يتعلّق بالعلوم الاجتماعية والانسانيّة.
إنّ الانسانَ على مدار تعاقب الأمم والحضارات، كان يجدّدُ عقله، بتغيير نمط حياته ووسائل إنتاجه، ويحقّق تراكمًا مختلفا. يقول الكاتبان أونشتاين وإبرليش في كتابهما “عقل جديد لعالم جديد” الصادر في العام 1994 يجُب أنْ يفهمَ الجميع الدّور المحتمل للتّطوّر الحضاري في تجاوز مخزون العقل، أن يفهموه كما يفهمون لغةَ حديثهم. إنّ المعارفَ العلميّة، التي ساعدت في تفجير المشاكل المعاصرة قد أنجبت أيضاً قدراً لا يبارى من المعرفة عن الطريقة التي يدرك بها الناس العالم ويفهمونه.
هذا المخزون العقلي يمثّل التحدّي الحقيقي لمدى قدرة الإنسان في أن يوائم بين إنتاج المعرفة، وإنتاج اللغة، فالسّرعة التي تولّدت عن الثورة الرقميّة، كشفت أنّ الإنسان كلّما حقّق قدرا عاليًا من التطور والتنميّة، صارَ عاجزا على التوصيف والتأريخ لذلك، لأنه يبتلعُ ذكاءه وعبقريّته.

بقلم : عزالدين ميهوبي

6

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: