أعمدة الرأي

22 فيفري.. مخاض الاستقلال

شهاب برس- مخاض استقلال الشعب الجزائري في عصر صراع متعدد الأقطاب للهيمنة على العالم باستراتيجية جديدة؛ القيادة من الخلف والذي إرتقى فيه الصراع الأفقي – من الولاء و النفط مقابل الغذاء والدواء – الى مصادر الطاقة والذهب مقابل الأرض – و الصراع العمودي (الأقمار الصناعية و التقنية) – الى المعلومة والمخابرات مقابل حقوق البث و الغطاء الجوي و الأمن القومي.

نحن أمام حالة فريدة جديدة من الصراعات الدولية والاستعمار الحديث للهيمنة على العالم، نحن لسنا في حالة تقسيم “سايس بيكو” جديد مستعمرات محددة الحدود و المعالم بالمسطرة كما هو متعارف عليه لإعادة التقسيم و إدارة الترِكة فحسب بل نحن الآن في سياسات استعمارية جديدة لتقسيم المقسم متعددة الجنسيات حروب استنزاف و جرائم حرب داخلية، مثال ذلك سوريا و العراق و السودان و اليمن و ليبيا محتلة احتلالات متعددة الجنسيات هي أمام الأمر الواقع لسبي أراضيها و نهب مقدراتها و استعباد شعوبها بدون حولة و لا قوة و لا حاجة اليوم للصواريخ الاستراتيجية بعيدة المدى لتلبية الغرض، و الدليل بلدة واحدة بسورية لا تتعدى الكيلومتر مربع تتواجد فيها قوى متناقضة بين الروسي و الأمريكي و المليشيات الكردية…!، صراع إرتقى اليوم من التدخل المباشر الذي كبد الدول العظمى خسائر مادية و بشرية في الحرب العالمية الأولى و الثانية آخرها عاصفة الصحراء بالعراق إلى إستراتيجية الحرب بالوكالة، الذي يزحف الى شمال افريقيا بملشيات مستأجرة (الجنجويد و الفاڨنر و بلاك ووتر و غيرها من المرتزقة الٱرهابية… ) دون أن تدور رحى المواجهة على اراضيها، والهدف في الجزائر هو جنوبها، بحجم قارة الغنية بمياهها الجوفية العذبة الغير مستغلة! و مخزونها النفطي و الغازي للهيمنة على مصادر الطاقة و المعادن النفيسة عبر جسر احتلال ليبيا و فتح طريق تجاري بري لغزو الأسواق الافريقية و ما الاتفاقيات و المعاهدات و القوانين المتعلقة بالمحروقات و الثروات الباطنية إلا مقايضة الذل و العار و رشوة لتأجيل أو تأخير الغزو في تنفيذ إعادة التقسيم تجسيدا للأجندة الجيوسياسية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط و شمال افريقيا، للاستلاء على خيراتها لفرض هيمنة عملتها الاحتياطية للتداول في الأسواق العالمية على مبدأ “من يملك البترول و مناجم الذهب هو من يطبع العملة النقدية المتداولة في التجارة العالمية أكثر” للحفاض على توازنها المالي و الاقتصادي و الهيمنة على العالم.

الدول الوظيفية العميلة لم تعد تلعب دور كافي لتلبية متطلبات و حاجيات اسيادها المتمثلة في الدول العظمى المتحالفة من أجل مصالحها المشتركة التي تتخبط هي الأخرى في أزمات داخلية و اقتصادية و تنافس شرس في ما بينها زعزعت استقرارها، فوجهت أطماعها الى الشرق الأوسط و شمال افريقيا لتنفيذ أجندتها لأن أذرعها في مستعمراتها تعددت فيها العصابات الوظيفية في مستعمراتها القديمة الجديدة عسكرية كانت أم مدنية (دولة داخل دولة، جيش داخل جيش، مخابرات داخل مخابرات، أحزاب داخل أحزاب، جمعيات داخل جمعيات، مجتمع مدني داخل مجتمع مدني) التي أصبحت تتناحر فيما بينها على السلطة في موازين استنزفت قواها واستقرارها رهنت سيادة الوطن و فتحت خزائنه للخارج بحثا عن الشرعية للاستلاء على مركز القرار و الاستمرار في الحكم للوصول إلى مصالحها و مآربها الشخصية الذاتية الضيقة و لو على حساب حرية و مصالح شعوبها المستضعفة لإمتلاكها على النفوذ و القوة العسكرية المزعومين!!!، خاصة بعد نهوض العملاق النائم الصيني و عودة الدب الروسي كمنافس الى الساحة العالمية، و خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بينهم ملفات خاصة فأصبح كل طرف يطالب بحصته من الكعكة: الشرق الأوسط لامريكا و روسيا و شمال افريقيا لفرنسا و بريطانيا كلاعبين أساسيين، اما الصين تُعبِد الطريق بالتغلغل الاقتصادي في تنافس متكامل متفقون على إقتسام فرائسهم على قاعدة الحوت الأكبر يلتهم الحوت الأصغر قانون الغاب القوي يأكل الضعيف باستخدام ابشع الوسائل آخر ما وصل إليه العلم الحديث.

لذلك اهم ما تصبوا إليه الثورات و الشعوب المستعمرة التي تناضل و تقاوم الاستبداد من أجل التحرر جعلت من الحكم_المدني و دولة القانون اهم أهداف ثورات الشعوب هو حكم يرتكز على أولوية السياسي على العسكري قضية مركزية أوصى بها الشهيد عبان رمضان اذبان الثورة التحريرية الجزائرية، كمصدر قوة عبر مؤسسات قوية ترتكز على قوة القانون و السيادة الشعبية لا على قانون القوة كما هو حال الدول المستهدفة اليوم فحسب لكن كذلك من خلال سياسة فرق تسد المنتهجة من جهة، لاشغالها في نفسها لابعادها في التفكير على دولة القانون و النهضة ومنعها من القدرة على المنافسة الى حين تمزيقها للانقضاض عليها، ومن جهة أخرى بإستراتيجية إحتكار الدين للإنفراد بالسلطة الذي نشأ بعد الثورات الربيعية و الانقلابات العسكرية على الشرعية الشعبية في تحالف خطير يجمع بين الاستبداد الديني و الاستبداد السياسي دفع الى توظيف واجهة أحزاب سياسية إسلامية و المساجد لتقديس الحاكم على مبدأ كهنة معبد آمون الفرعوني لفرض سلطتهم على البشر و الأفكار، بمنطق كونهم الوحيدون اللذين يملكون الحقيقة المطلقة عن الحياة و الوجود و الممثلون الشرعين الوحيدون للإلاه بهتانا و زورا، لإرغام الناس الى الطاعة و اتباعهم كالقطيع باسم الله، باعتقال العلماء و الكوادر المثقفين والمناضلين الأحرار و فرض الأمر الواقع بالقوة و الغدر بأي شريعة أو فكر أو رأي لا يخدم سلطانهم و أهواءهم، جريا وراء أطماعهم و مصالحهم ونزواتهم الخاصة وامتيازات مادية حرصا على مركز السلطة و القرار في مناصب أبدية، دول وظيفية عميلة تخدر شعوبها بتوظيف إعلامها الجائر و تأخذ شرعيتها من الدول الغربية و الشرقية القوية لصالح مؤسسات متعددة الجنسيات لنهب ثروات الشعوب على حساب حريتها ورفاهيتها و مستقبل اجيالها و نهظة أوطانها.

الشعب الجزائري العظيم سيخرج يوم 22 فيفري 2020 عبر ربوع الوطن و عواصم العالم في ذكرى مرور عام من الحراك الشعبي السلمي الذي حقق مكاسب عملاقة في ظرف سنة واحدة من النضال السلمي أبهر العالم على رأسها تحرير الفكر و الوعي و نفض غبار الخوف و الصمت و وحدة الشعب رغم كل المؤامرات و الخطط الجهنمية التي ابتلى بها لتمزيق صفوفه … مكاسب تسمح له بنقلة نوعية عاجلا غير آجل نحو دولة مدنية دولة القانون و التقدم و الازدهار بأقل الخسائر،

الجزائر تمر بإمتحان ومنعرج خطير جد حساس, أمام شعب ثائر مسالم عظيم «كفاءات وطاقة كامنة بإمكانه أن يصنع المعجزات» يمد يده كل يوم الثلاثاء و الجمعة و الأحد عبر ولايات الوطن و عواصم العالم لمدة سنة كاملة ينادي أصحاب القرار و ضمير الأمة للعودة إلى جد الصواب و الإذعان للشعب لإنقاذ مايمكن إنقاذه، بشعارات ترسم أرقى معالم خريطة الطريق، دولة مدنية، عدالة مستقلة، مرحلة إنتقالية، تغيير جذري للإنتقال الديمقراطي السلس السلمي، السلطة و السيادة للشعب (المادة: 7+8) لبناء دولة القانون و العدالة المستقلة و الفصل بين السلطات و القطيعة مع ممارسات الماضي لسياسات الاستعمار و الاستدمار و منطق الاستبداد و الإقصاء… الشعب الجزائري لن يعود إلى ما قبل 22 فيفري 2019، عملاق مقيد عقد العزم في طريقه لكسر قيوده نحو الحرية و تقرير مصيره و الاستقلال و النهظة، نحو تحرير بلدان شمال إفريقيا من الدول الوظيفية العميلة و الهيمنة العالمية الوحشية، شعوب شمال افريقيا ستكون سدا و جدارا منيعا لسطو الشركات متعددة الجنسيات على ثروات الشعوب بكل الطرق حتى تخضعها لشروط تحفض كرامتها و هذا لن يكون بدون التمحور حول قيادة رشيدة تجمع شمل الشعوب انطلاقا من الجزائر بقيادة سياسية داخل الوطن و في حال تعذر ذلك خارج الوطن بالتنسيق مع كل القوى المخلصة الفاعلة، تعهدا بالوفاء لمبادىء الثورة السلمية تجسيدا لطموح الشهداء بكوادر وسواعد و خريطة طريق جيل ثورة 22 فيفري من أجل إستقلال الشعب من الدولة الوضيفية والاستبداد و التبعية و الانحطاط.

يوم 22 فيفري 2019 ذكرى دونت بأحرف من ذهب في سجل التاريخ يوم بزغ فيه شمس الحرية، بدأنا فيه حياة سياسية جديدة، اذا لم نستثمرها إيجابيا و اذا لم يتحمل بعضنا بعضا و نتوحد على قواسم مشتركة مهما كانت فوارقنا (اقل ما يقال عنها انها مفتعلة!) و نتعايش تحت سقف واحد من أجل الوطن و مستقبل الأجيال و وحدة بلدان شمال افريقيا و امن ساحلنا الجيوسياسي المشترك الذي يجمعنا فيه جغرافيا و ثقافة و تاريخ واحد، سيفتك بنا العدو واحدا تلو الآخر و يقضي علينا جميعا.

الشعوب أصبحت واعية و مدركة لتحديات العصر و من الواجب بمكان على أصحاب القرار العسكرية بالخصوص و المدنية لتسليم السلطة للشعب عبر مجلس مدني سيد و مرحلة انتقالية لتوفير كل الضروف و الأجواء الملائمة بفتح الساحة السياسية للتنافس الحر ( بمشاركة الجميع بدون إقصاء بإطلاق سراح كل السجناء السياسيين و أسرى الرأي و فك القيود على العدالة و الاعلام و التنقل…) للتأسيس للسيادة الشعبية و الشرعية الحقيقية لمؤسسات الدولة عبر الصندوق النزيه الشفاف و عودة الثقة بين الحاكم و المحكوم لمواجهة الأزمات المتعددة الأوجه والمكائد التي تعصف بالوطن من كل الجبهات.

بقلم الناشطة الجمعوية آية دالي


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: