أعمدة الرأيعـــاجل

الموعد الإنتخابي الآخير

بقلم الدكتور : محمد لعريبي

منذ إعلان تأجيل انتخابات 4 جويلية توقفت عجلة تسارع الأحداث ودخل المشهد السياسي عموما حالة من الركود والتحرك البطيء في المستجدات، تغذيه أحيانا أخبار اقالات أو أعتقالات ومحاكمات أو قوانين هنا وهناك .. حتى جاء الإعلان عن موعد انتخابي ”نهائي” انتقل بنا الى السرعة القصوى ورسم معالم محطة حاسمة دخلت إليها البلاد .. أقول نهائي لأن اعتبارات كثيرة قد تجعل هذا الموعد آخر المواعيد الإنتخابية التي تطرحها السلطة في هذه المرحلة ”الإنتقالية” التي نعيشها وإن لم يتم التصريح بها بهذا الإسم .. فما حكم هذه الإنتخابات وما الخيارات المتاحة والأسلم في التعاطي معها؟

توصيف لابد منه:
قبل الحديث عن خيارات التعامل مع موعد الانتخاب القادم بمشاركة أو مقاطعة، فإننا نحتاج إلى وقفة تقييمية لهذه الإنتخابات وطريقة وظروف الدعوة إليها، التي لا يصح تجاوزها بنفس طريقة تصدير الأزمات القديمة، خاصة إذا ما اعتبرنا أن ما بعد 22 فيفري ليس كما قبله … إنه ما من عاقل يرفض الإنتخابات من أساسها أو يرفض العودة إلى المسار الإنتخابي سريعا، لكن ليس أي مسار .. يريد المواطن الجزائري أن يصل إلى انتخابات تعبر حقيقة عن صوته وأن رأيه واختياره مفضي إلى صناعة القرار، الأمر الذي لم يتوفر في موعد ديسمبر القادم.
هذه الإنتخابات هي إنتخابات الأمر الواقع، مبكرة ومستعجلة وضعيفة في إخراجها وحيثياتها، جاءت الدعوة إليها تلميحا من قبل المؤسسة العسكرية ثم طالعنا رئيس الدولة بخطاب قال فيه أنه ”قرر” دعوة الناخبين ليوم 12 ديسمبر، وسبق ذلك تشكيل لجنة حوار عبثية لا تحظى بأي شرعية أو اعتبار شعبي، تجاوزت هذه اللجنة صلاحياتها وأنتجت لنا سلطة وطنية لمراقبة الانتخابات تم اختيار أعضاءها بالتعيين على عجل مع قوانين ترجع الفصل في القوائم إلى المجلس الدستوري مما جعلها لجنة فارغة من محتواها على جميع الأصعدة ولا يؤهلها ذلك إطلاقا إلى التكفل بتطلعات الشعب .. والأهم من ذلك كله هو أن هذه الإنتخابات جاءت من دون إصلاحات سياسية حقيقية تجعلها تختلف عن باقي المواعيد السابقة، الإصلاح السياسي والذي هو جوهر مطالب الحراك يختلف تماما عن ما تم إنجازه من اعتقال رموز الفساد المالي والإداري وقادة الإجرام الأمني وبعض القوانين المساهمة في تحسين الأوضاع المعيشية .. فهذه الإنتخابات من حيث الأصل وما يجب أن يكون، هي مرفوضة لأنها لا تعبر عن مسار الحل الحقيقي للأزمة السياسية في البلد .. ومن حيث شروط النزاهة وشفافية المشرفين على الإنتخابات وإبعاد رموز النظام السابق وتعديل القوانين البيروقراطية والتي يكمن التزوير الأساسي فيها، والتعديل في صلاحيات الرئيس السوبر رئاسية التي كلما تأملها مطلع بتمعن ايقن باستحالة إجراء انتخابات نزيهة تمكن مرشح الشعب البسيط من أن يكون وزيرا للدفاع وقاضيا أعلى للبلاد يعين ثلث أعضاء مجلس الأمة ويترأس مجلس الوزراء وجهاز المحاسبة وبيده المراسيم الرئاسية وشورى البرلمان معلمة لا ملزمة .. هي تطرح السؤال بجد: ما الفرق بين ظروف وشروط هذه الإنتخابات وانتخابات 18 أفريل و4 جويلية التي عطلها الشعب؟

هل المشاركة القوية تنفي التزوير؟
تصاعدت دعوات كثيرة تنادي بالمشاركة القوية وأنها هي الحل وهي الضامن لحماية الصندوق وحماية أصوات الناخبين، مستدلين على ذلك بانتخابات مطلع التسعينات .. والرد على هذا هو أن نزاهة الإنتخابات مرهونة بالدرجة الأولى بالإرادة السياسية للسلطة، وأن مسؤولين كثر خرجوا من قبل في شهادات على وسائل الإعلام وكشفوا طرق التزوير وكيف تتم وتوجه فيها الأوامر بطريقة ملتبسة على المسؤول باسم المصلحة والحفاظ على مؤسسات الدولة تجعل من جريمة التزوير فعلا وطنيا .. ومن جهة أخرى فإن المجاميع الشعبية في عمومها لا تتحرك باتجاه الصناديق عن تفكير وتدبير وترجيح بين المصلحة والمفسدة، بل إن الأغلبية الشعبية تتحرك وفق الجو والمناخ العام، إن كان هناك أمل وظروف مشجعة ومقنعة على المشاركة ستتحرك الجماهير من تلقاء نفسها وسيكون منها الحرص على حماية صوتها وحراسة عملية الفرز، لكن في مثل هذه المعطيات وفي ظل تصاعد عملية التضييق والإعتقالات فإن الشعب لن يثنيه عن العزوف دعوات أو خطابات أو منشورات أو حملات انتخابية .. والمراهنة على المشاركة القوية دون ضمانات تجعل التاريخ يعيد نفسه فيما يشبه مواعيد إنتخابية سابقة .. نفس أساليب السلطة تقريبا لم تتغير ونفس الحجج عند الطبقة السياسية أيضا لم تتغير، بالأمس كانت هناك منظومة من الأحزاب ترى دائما بما تسميه المشاركة الإيجابية، وكانت حجتها عدم ترك الكرسي شاغرا وضرورة المنافسة والمغالبة والنزول بقوة وحماية الصناديق والايجابية مكان السلبية، لكنها فشلت في صناعة الفارق وفي اقناع الشعب ودفعه الى المشاركة القوية وكانت بذلك تمنح الشرعية للسلطة في كل موعد ..
هل يمكن تجسيد النموذج التونسي؟
يروج البعض في سبيل التحفيز على المشاركة القوية لمثال الإنتخابات الجارية حاليا في تونس وانه بالإمكان إحداث المفاجأة وصناعة الفارق .. قياس أقل ما يقال عنه أنه مفعم بالأماني بعيد تمام البعد عن الأمر الواقع ويشبه هو الآخر ما وقعت فيه أحزاب اسلامية من قبل في انتخابات 2012 حين منت نفسها بتكرار تجربة مصر وتونس وصعود الإسلاميين إلى الحكم ثم اصطدمت بواقع مؤلم، لأنها أخذت من تلك التجربة ما يروقها من الأماني بمعزل تماما عن ظروف البلد وحيثياته .. فالمفاجأة التي حققها قيس السعيد في تونس بأن تخلى الشعب عن مرشحين محسوبين على السلطة أو على تيارات عتيدة والتف بالمقابل على مرشح شعبي وطني صادق في خطابه هي خطوة تأتي عادة بعد إشاعة الحرية لمدة زمنية كافية، تخرج فيها الشعوب من حالة الإصطفاف الإيديولوجي والتعلق بالنماذج التقليدية وتخرج أيضا من ثنائية السلطة والمعارضة وتعتاد على نزاهة الصندوق ووصول صوتها .. فهذا الموعد الرئاسي هو الثالث لتونس سبقته مواعيد تشريعية وبلدية وتأسيسية من قبل شهدت تغيرا تدريجيا في نفسية المواطن التونسي وتوجهه السياسي، بالإضافة الى مستوى متقدم جدا من شفافية الصندوق وعدالة اللجنة المستقلة وانضباطها .. فالقياس على هذه الحالة هو قياس بعيد تماما عن الواقع ومحاولة لتصدير أمل للناخبين لا علاقة له بالوضع في الجزائر.
وإنه من المؤسف أن تعجز الجزائر ورغم حالة الطفرة التي صنعها الحراك عن إنتاج تجربة رائدة ومشرفة تكون مثالا وقدوة لغيرها، فلا يجد النشطاء والسياسيون إلا أن يدعوا الناس للإقتداء بنماذج مجاورة في مرحلة نحن قادرون على صناعة نموذجنا الجزائري الخالص .. فلماذا نضيع هذه الفرصة ونسعى إلى نسج حلم، تفاصيله بعيدة كل البعد عن واقعنا؟

ما الحل إذن؟
لعل القارئ لحد الآن يستعجل في نفسه الوصول إلى الحل بعد نسف كل الخيارات السابقة وتبيان ضعفها وثغراتها، وفي الحقيقة لا وجود لحل سحري يصنع المعجزة خاصة إذا سلمنا أن الأشهر الستة الماضية لم تنتج تغييرا حقيقيا في السلطة ولم تتح الأدوات والظروف الكفيلة بإحداث تغيير أو إنتقال ”ديموقراطي” سلمي عن طريق الإنتخابات، فلا يصح تجاوز أصل المشكلة ثم البحث عن حلول ترقيعية .. ولكن مع ذلك هناك منطلقات سليمة يجب على صاحب المبدأ أن يسير عليها ولو لم يصل إلى المبتغى، لأن ميدان العمل السياسي ميدان تدافع طويل المدى يحتاج إلى أدوات وفرص كثيرة ولا يستعجل الثمرات بقدر ما يتطلب ثباتا على الخط السليم، ومن هذه المنطلقات ما يلي:
أولا: يجب نفي الإستقطاب والإحتراب السياسي القائم حاليا في الساحة، وترك التنابز والتجريح بين أنصار المؤسسة العسكرية ومعارضيها وبين أدعياء المشاركة والمقاطعة، لقد أدى هذا إلى تقسيم الشارع انقساما حادا لن يلتئم إلا وقد تشكلت منظومة حكم جديدة لن يكن للشعب فيها كلمة .. والمتضرر الأساسي من هذا الإنقسام هو الكتلة الشعبية الأصيلة (التيار الوطني والاسلامي) بينما سلم من ذلك كتل أخرى لها مشاريع ايديولوجية وسياسية خاصة .. فمن كان مشاركا فلا يعتب على المقاطع ومن كان مقاطعا فلا يخون المشارك.
ثانيا: من كان ولابد مشاركا في هذه الإنتخابات، فلتكن مشاركته بمرشح واحد فقط ينافس مرشح السلطة الذي سيظهر حتما، مرشح واحد يعبرعن القوى الحراكية الناشئة حديثا وعن القوى والأحزاب المعارضة القديمة والتي يجب عليها تجاوز مشاريعها الحزبية الضيقة في هذه المحطة المهمة .. على شرط أن يكون هذا المرشح مشتبعا بروح الحراك وبسقف خطابه السياسي ومعبرا عن مطالب الشعب ومعارضا بوضوح لممارسات السلطة، وان يبتكر فريق العمل معه أساليب ناجعة لمواجهة التزوير وكشفه للناس مصحوبا بموقف قوي ومؤثر إن بدت بوادر التزوير، وألا يكتفي بالتنديد وعدم الإعتراف بصحة النتائج كما كان العهد من قبل .. وأن تكون العودة إلى الشارع إحدى أهم وسائل الضغط لمواجهة ألاعيب الإدارة وتزوير أصوات الناخبين كونها أكبر مكسب من مكاسب الحراك الشعبي المبارك ولا يجب التفريط فيه .. وما دون ذلك فهي مشاركة لا تختلف في شيء تقريبا عن مشاركات ما قبل الحراك وستساهم ببساطة في شرعنة انتخابات يحتاج مرشح السلطة ”الحتمي” أن يبدو فيها كالمنتخب في عرس ديموقراطي.
ثالثا: الرافضون للإنتخابات مطالبون بمواصلة حراكهم في الشارع والتعبير عن آراءهم في الإعلام ومواقع التواصل دون تجريح أو مزايدة تزيد في الإنقسام والاستقطاب، محافظين بحرص شديد على السلمية متجنبين الاستفزازات والتصرفات المؤدية إلى مخالفة القوانين والتصعيد الأمني، مع الحرص على تفريغ الشارع من الشعارات والهتافات الصدامية ومحاولات استعماله من طرف تيار بعينه .. ليبقى بذلك الشارع متقدا كوسيلة ضغط وحارسا لأي تجاوزات قد تحصل، وليبقى ايضا مكسبا من مكاسب الحراك لا يمكن التفريط فيه بعد أن كان تحت قبضة أمنية تمنع حرية التعبير.
هذه هي الخطوات التي أرى انها كفيلة بالتعاطي مع أمر واقع ومفروض وانتخابات تشهد انقساما في الشارع قد يعززه أكثر موقف الأحزاب الذي لم يعلن بعد، انتخابات لا يشعر حتى الراغبون في التصويت فيها أن صوتهم سينتج رئيسا من الصندوق حقا ولكن في الغالب يدفعهم إلى ذلك الخوف على البلد أو الملل والشعور بالإنسداد بعد مسيرة تقارب السبعة أشهر ..
ما نخشاه ولا نرجوه هو أن تنتهي مسيرة الحراك ”الأمل” بإحدى السيئتين .. إنزلاق ما لا قدر الله يضيع كل المكاسب ويعيد كل شيء سنوات إلى الوراء، أو حالة من اليأس والعزوف والسلبية مع عودة التضييق على حرية الرأي والتعبير إذا ما فشلت مسيرة التغيير المنشود … فاللهم أبرم لهذا البلد أمرا رشدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: