حواراتسياسةعـــاجلوطني

نوري دريس”الثورة الشعبية أعلنت وفاة الشرعية الثورية”



حوار الدكتور نوري دريس أستاذ علم الاجتماع بجامعة سطيف لـ”الخبر”

يرى نوري دريس أستاذ علم الاجتماع بجامعة سطيف، أن الثورة السلمية في حد ذاتها هي تعبير عن موت الشرعية الثورية وشرعية (استعادة السلم والأمن) التي حكم بها بوتفليقة واستهلكها إلى آخر قطرة منها، وأراد أن يضيف بها عهدة أخرى.

نقترب من إقفال 5 أشهر كاملة على بدء الحراك الشعبي.. ما هي أبرز الملاحظات الإيجابية والسلبية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة؟

في الحقيقة ليس هنالك ملاحظات سلبية. وبعد 5 أشهر لم يعد الحديث عن حراك، بل عن ثورة. يبدو أن الجزائريين قد حددوا أهدافهم بدقة حتى وإن لم يكن لهذه الثورة رأسا، إلا أن الأهداف دقيقة جدا، و لم يستطع النظام أن يلتف حولها و يحولها عن مسارها… الثورة استطاعت أن تسقط عهدة خامسة كانت لتقضي على ما تبقى من الدولة، وأسقطت أيضا انتخابات 4 جويلية بسبب عدم وجود ضمانات لشفافيتها، و أسقطت أيضا ندوة 6 جويلية التي لم تكن إلا تمثيلية من أحزاب استهلك بوتفليقة كل رصيدها ومصداقيتها، ولم يعد لها ما تواجه به الناس في الشارع. السلطة تدفع بزبائنها وأعوانها إلى السجون أملا أن يساهم ذلك في إعادة الثقة المفقودة مع المجتمع…لكن رغم ذلك، الثورة السلمية مستمرة، و تجاوز كل التحديات التي واجهتها: تحد السلمية، الوحدة الوطنية،الهوية…وكل الألغام التي يتم رميها إلى وسط الشارع أملا أن يساهم ذلك في إضعاف الثورة و إيقافها. قدمت تحليلا مغايرا بخصوص مهاجمة رئيس الأركان لشعار “دولة مدنية وليست عسكرية” الذي يرفعه الحراك في مسيراته الأخيرة.. هل تعتقد أن ثمة لبسا في فهم كل طرف لهذا الشعار ؟ بالنسبة لمفهوم الدولة المدنية، صحيح ان الشارع يستخدمه بعفوية، ليطالب به بدولة قانون. لكن ثمة فعلا لبس حول المفهوم، لأنه في الفلسفة السياسية الحديثة هنالك مفهوم دولة القانون، التي تكون فيها السيادة للشعب، والسلطة تخضع للعقاب الانتخابي، و تقييد السلطة من خلال الفصل بين مختلف مكوناتها( التشريعية، القضائية، التنفيذية)… في مصر مثلا، شاهدنا كيف تم التلاعب بمطلب الدولة المدنية للانقلاب على مرسي، و اكتشفنا لاحقا ان الدولة المدنية التي رمي بها إلى الشارع ووسائل الإعلام هي دولة ليست تيوقراطية (ليست دينية) وهذا لا يعني أبدا أن مرسي أراد تأسيس دولة تيوقراطية في مصر… الدولة المدنية التف بها العسكر على مطلب دولة القانون واتخذوها مطية للانقلاب من جهة، ولإدارة ظهرهم لمطالب دولة القانون التي ثار المصريون من أجلها.. بخصوص خطاب قائد الأركان الذي ظهر فيه منزعجا من شعار ”دولة مدنية وليس دولة عسكرية”، أعتقد أن المؤسسة العسكرية شعرت أن هنالك من يتهمها بأنها تعرقل إيجاد حل للأزمة، او أنها تريد إقامة حكم عسكري في الجزائر، و هذا، سيكون له تبعات خطيرة أهمها التدخل الأجنبي او التعرض لعقوبات دولية، مثلما حدث في السودان او في البلدان الإفريقية التي حدثت فيها انقلابات. تخشى القيادة العسكرية أن تتهم بأنها قامت بانقلاب على بوتفليقة و تريد أن تأخذ السلطة بشكل مباشر، خاصة بعد أن تم تسريب حوار داخلي لقائد أركان الجيش يتحدث فيه عن دور المؤسسة الكبير في إقالة بوتفليقة…المؤسسة العسكرية تخشى من التأويلات الخاطئة لأفعالها و مواقفها. لا تريد المؤسسة العسكرية أن تظهر بمظهر المُعرقل للحل، أو أنها تريد السطوة بشكل مباشر على الحكم، وخاصة وأنها تعتقد أنها فعلت كل شيء، و كل ما هو مطلوب منها ( محاربة الفساد، مرافقة العدالة، محاربة العصابة و ملاحقتها في كل مكان…). في نظري هذا هو الامر الذي أزعج قيادة الجيش . لكن في نظرك هل قراءة قيادة للجيش للشعار صحيحة أم لا؟ على قيادة الجيش أن تقدم ضمانات أكبر، تكون في مستوى تطلعات الجزائريين لتجاوز الازمة التي تسبب فيها النظام السياسي ككل. الجزائريون لا يتهمون جيشهم بأنه يريد أخذ السلطة بشكل مباشر مثلما فعلت القيادة العسكرية في التسعينات، ولكنهم في المقابل، يريدون أن يضعوا بمنأى عن الجدالات والصراعات السياسية، وهذا من خلال تقديم كل الضمانات التي يطالب بها الشارع لتنظيم انتخابات رئيسية تعيد الشرعية لرئيس الجمهورية و للمؤسسات. وهذا الأمر سيكون في مصلحة الجميع دون استثناء. لا يشعر الجزائريون بالفخر حينما يشاهدون ضباطا عسكريين كبار في السجن، لأن هذا الأمر يسيء للمؤسسة و للدولة، و لهذا يصرون على بناء نظام سياسي جديد حيث تكون فيه العدالة مستقلة، تحول دون أن ينغمس المسؤولون و الإطارات العليا في الفساد بهذا الشكل المخزي…عدم الاستجابة لمطالب الحراك، و الاكتفاء بتنظيم رئاسيات بنفس القوانين و نفس الأشخاص و نفس الآليات سوف يقود إلى نفس الوضع الحالي بعد سنوات، تنتهي بجر ضباط كبار ووزراء و مدراء مجددا إلى المحاكم. هل تشعر حقيقة بوجود حمولة أيديولوجية في خطابات المؤسسة العسكرية الحالية تعارض ذلك التوجه الذي كانت تتبناه هذه المؤسسة في التسعينات ؟ في التسعينات لم تكن المؤسسة العسكرية تتحدث..كانت تسمى بالصامتة الكبرى…لكن أديولوجية النخب العسكرية آنذاك مختلفة تماما عن الجيل الجديد من الضباط الذين تكونوا كلهم في المدارس العسكرية الجزائرية…من المهم أن ننتبه أن الجنرالات المسيسون قد رحلوا جميعا، و آخرهم كان الفريق مدين. هؤلاء ينتمون إلى حقبة تاريخية شديدة الأدلجة، أما ضباط اليوم، فأغلبهم محترفون. أما إذا كنت تشير إلى كيفية تعامل المؤسسة العسكرية مع الشأن السياسي ومع الثورة السلمية تحديدا، فواضح أن الجيش تغير، أو على الأقل تغيرت طريقته في التعامل. من الطبيعي جدا أن تقاوم أي سلطة سخطا شعبيا منها، ولكن من النادر أن نجد في دولة عالم ثالثية، عربية تحديدا، أن نجد جيش لا يستعمل القمع الممنهج ضد المتظاهرين. يعكس هذا تطور كبير إيجابي داخل المؤسسة العسكرية، و سينتهي الأمر لا محالة إلى انخراط الجيش في بناء دولة القانون بحكم التطور والتغير الذي يمس تركيبته. هل فكرة “الشرعية الشعبية” أصبحت اليوم راسخة لدى الجزائري



اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: