أعمدة الرأيعـــاجل

المبادرة والمناورة

خطاب بن صالح اليوم وضع السقف الذي تحدده السلطة لخطة الحل وحدد معالمها لكنه لم يفصل في الأهم وهو آلية التنفيذ.


ثوابت الخطاب الرسمي كانت واضحة وهي تتمثل في جعل الموضوع الوحيد لأي حوار هو الاتفاق على آليات تنظيم الانتخابات ومراقبتها، أما التغيير فهو مهمة الرئيس المنتخب، والثابت الآخر هو رفض الفراغ الدستوري وتغييب دور الدولة، وتحت هذا العنوان يمكن أن يدخل التمسك ببن صالح وبالحكومة الحالية، وباعتبار أن الدستور لا يعطي بن صالح صلاحية تغيير الحكومة فإن الاحتفاظ بالوضع الراهن يصبح جزءا من دور الدولة، لكن مع الاستجابة لمطلب إسناد المرحلة الحالية إلى هيئة من شخصيات توافقية تتولى إدارة الحوار وتحديد كيفية تنفيذ مخرجاته.


هذه الخطة هي تخريجة تحاول أن تمزج بين ما تراه السلطة حلا دستوريا ويؤدي إلى عدم التخلي عن بن صالح والحكومة، وفي نفس الوقت إبعادهما عن إدارة الحوار والإشراف عليه وتنظيم الانتخابات ومراقبتها، ويقوم هذا التصور نظريا على التمسك بالشكليات الدستورية التي توضع تحت عنوان استمرارية الدولة.


تضمن الخطاب دعوة للجزائريين إلى الانخراط في الحوار قبل أن يتم تحديد إطاره ولا الجهة التي تدعو إليه ولا الآليات التي تحكمه، نحن أمام حوار نعرف الهدف منه والمواضيع التي يتناولها لكن لا نعرف الجهة التي تدعو إليه، وهذا يعني أن الجهات الرسمية لن تقدم على تكرار ما فعلته في المحاولة الفاشلة الأولى، فكيف يمكن إطلاق الحوار؟
المبدأ الذي حكم سلوك السلطة منذ 22 فيفري هو عدم المجازفة بإطلاق خطة للحل لمعرفتها بأنها قد يتم إفشالها، وقد كان إجهاض انتخابات 4 جويلية درسا تم استيعابه مبكرا، ومن هنا فإن احتمال انتظار بروز مبادرة مفصلة من جانب المعارضة سيكون واردا، وهكذا يتحول الخطاب إلى رسالة واضحة إلى ندوة السبت المقبل التي ستحاول أن تقدم مقترحات عملية في الإطار الذي يحدده الخطاب، ولابد أن ننتبه إلى أن المعارضة نزلت بسقفها إلى ما يقارب أطروحة السلطة خاصة ما تعلق بجعل الانتخابات أولوية على حساب التغيير، وبترحيل الإصلاح إلى الرئيس المنتخب واعتبار التوافق على آليات تنظيم الانتخابات ومراقبتها أولوية، وليس مستبعدا أن يتم التنازل عن مطالب رحيل بن صالح وبدوي بحجة أن ما يتم الاعتراض على إشرافهما عليه سيسحب من صلاحياتهما ليصبح وجودهما شكليا وبلا تأثير فعلي على الحل.


السؤال الذي لا يجيب عليه الخطاب هو من يعين الهيئة التي تشرف على الحوار ؟ الإجابة تحيلنا مرة أخرى إلى احتمال انتظار مبادرة تأتي من تحت تأكيدا للحياد التام للدولة ومؤسساتها بما فيها الجيش كما ورد في الخطاب، فالحرص على عدم تحديد أي آجال أو توجيه أي دعوة رسمية يعني انتظار تبلور مبادرة من جهة من خارج السلطة، والالتزام بالبقاء بعيدا عن واجهة ما سيجري بعد ذلك.
أي سيناريوهات محتملة ؟ إبقاء الخطة عامة وبدون آليات تنفيذ يترك للسلطة هامشا واسعا من المناورة ، ففي حالة بلورة المعارضة لمبادرة تكون متوافقة مع خطة السلطة، وربما بالاتفاق معها بطريقة ما، فإن ذلك سيسرع الإعلان عن إطلاق الحوار وكشف آلياته، أما الاحتمال الآخر فسيكون فشل المعارضة في التوافق على مبادرة وبروز مزيد من الانشقاقات في صفوفها، وهو أمر بدأ يتضح من خلال إعلان أحزاب البديل الديمقراطي عن مقاطعة ندوة السبت المقبل، وهذا يعني تعزيز موقع السلطة كحكم وهو الدور الذي أسقطته الثورة السلمية منذ 22 فيفري، وإذا أضيف إلى ذلك البند المفخخ الذي يتعلق باختيار ممثلين للحركة الشعبية فإن احتمالات الفشل تتصاعد أكثر.


بالتذكير بالهدف الثابت للسلطة والمتمثل في إخماد الثورة السلمية نهائيا والقضاء على المظاهرات، فإن الخطة التي ستعتمد ستنفذ بالموازاة مع استمرار عمليات التضييق على المظاهرات ومواصلة حملة الاعتقالات التي تستهدف العناصر التي يعتقد أنها أكثر تأثيرا في الشارع.


في الخلاصة نحن أمام محاولة لإعادة صياغة موازين القوى من خلال طرح تصور مفصل قد يثير مزيدا من الخلافات في صفوف المعارضة بما يحرمها من استغلال الديناميكية التي فرضها الشارع، ويثير مزيدا من الانقسامات في الشارع أيضا والذي سيتعرض لمزيد من الضغط الأمني والحروب النفسية والإعلامية التي تشنها أذرع السلطة، والنجاح في تحقيق تقدم نحو هذه الأهداف سيؤدي إلى مزيد من المراهنة على الوقت لكسر الثورة السلمية، وتسهيل فرض خارطة طريق السلطة التي ستتكشف تفاصيلها بحسب رد فعل الجزائريين، وهو ما يجعل الجمعة القادمة حاسمة، وسنرى أي صف ستختار ندوة السبت وأي كفة ستعمل على ترجيحها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: