أحدث الأخبارأعمدة الرأي

الجيش اختطف الثورة بتطبيق المادة 102

عرفت الجزائر يوم 22 فيفري ثورة شعبية ضد العهدة الخامسة تطورت فيما بعد إلى مطالب أكثر راديكالية بعد دخول طلب تغيير النظام ككل على خط الشعارات التي نادت بها حناجر المتظاهرين ،هذه الثورة الشعبية التي اسطلح في الجزائر على تسميتها بالحراك الشعبي لطابعها السلمي البعيد عن عنف الثورة ،نتج عنها سقوط رأس النظام و بعض لواحقه فقط دون سقوط النظام كليا ،فهل طريقة ابعاد بوتفليقة من الحكم لها دور في الابقاء على جزء من رموز النظام في الحكم ؟

إن تفجر المظاهرات العارمة في كل من خراطة و برج بوعريريج ضد العهدة الخامسة و حادثة اسقاط الصورة العملاقة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمدينة خنشلة و تداول بعدها عدة فيديوهات لرفس و حرق صور الرئيس بات في حكم المؤكد أن ثورة اشتعل فتيلها ستسقط النظام عاجلا أم آجلا ،و بالفعل ما هي الا أيام حتى كانت الجمعة الاولى للحراك الشعبي الرافض للعهدة الخامسة ،ليخرج قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح بخطاب مسجل يصف فيه المتظاهرين بالمغرر بهم ،سرعان ما تم سحبه من على وسائل الاعلام الرسمية و الخاصة و استبداله ببيان مقتضب من وزارة الدفاع،ليؤكد أن القايد صالح مازال على عهده وفي للشرعية الدستورية تحت مظلة حكم بوتفليقة عبد العزيز.

بعد هذه الحادثة تغير موقف نائب وزير الدفاع بعد أن أدرك وعلم أو تم ابلاغه بحتمية سقوط الرئيس و أن الأمر لا يعدو أن يكون قضية وقت فقط ،ليضبط لغة خطابه على موجة الحراك الشعبي ،ويطالب بتطبيق المادة 102 ،ثم يأمر بتطبيقها على الفور مع تفعيل المادة 7 و 8 ،ليقدم بعدها الرئيس استقالته ،فما الداعي لتطبيق المادة 102 بعد أيام من استقالة الرئيس؟ و لماذا تم التخلي عن المادتين 7 و 8 ؟
حسب رأيي فإن الجيش تعمد ذلك لقطف ثمار الحراك الشعبي و قطع الطريق أمام حلول سياسية ثورية قد تطيح بالنظام كليا ،و لن يتم التحكم في موجتها التي ستجرف لا محالة مصالح الكثيرين المحسوبين على النظام و ليس على رموزه فقط ، فتغيير رأس النظام وفقا لحلول دستورية باستخلافه برئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح هو صمام أمان أمام موجة عاتية من التغييرات الثورية التي كانت ستكون لو سقط النظام تحت تأثير المظاهرات و بعيدا عن شيفونة بوتفليقة “الدستور” التي اوقفت لحد الآن التغيير الحقيقي الذي يأمله الشعب ،بإحداث قطيعة كلية مع نظام استمر لعشرين سنة كاملة يعتبر وجه من أوجه الانظمة المتتالية و المتشابهة منذ الاستقلال إلى اليوم.

ما يؤكد هذا الكلام أن الجيش امتنع عن مواصلة تطبيق الدستور بحذافره كما تعهد و ذلك بتفعيل المادتين 7 و 8 لأنهما تؤديان لا محالة للقطيعة مع النظام و الدخول في مرحلة انتقالية يمكن فرض خلالها حلول سياسية ثورية تقطع النظام من جذوره ،لأن الجيش على ما يبدو يريد أن يكون الحراك الشعبي كسحابة صيف عابرة تسمح بخروج النظام بأقل الخسائر لاعادة رسكلة بقاياه في مرحلة ما بعد تعيين رئيس جديد وذلك بالتركيز على تغيير جزء من السلطة دون تغيير جوهر النظام لتبقى نفس السياسات و الممارسات قائمة و يبقى الشعب خاضعا مثل كل الشعوب العربية التي تمت اعادتها لبيت الطاعة سواء بالقوة مثل سوريا و حاليا ليبيا أو بثورة مضادة كمصر .

إن اصرار الجيش على تطبيق المادة 102 دون سواها من المواد الدستورية ،و تمسكه بالحلول القانونية لثورة شعبية أحدثت حالة سياسية استثنائية لا يمكن حلها الا بمقترحات و قراران خارج اطار الدستور يبين أن مؤسسة الجيش تعمل على اعادة رسكلة النظام و تأهيله بتقديم بعض رموز النظام كقربان تتقرب به من طوفان ثورة شعب لارضائه و التلاعب بعواطفه بالعزف على وتر الوطنية و التهويل و التخويف من الفراغ الدستوري الذي لم تتفطن له قيادة الأركان على مدى ستة سنوات كاملة أين كان رئيس العصابة السعيد بوتفليقة يضع ختم الرئاسة في درج مكتبه و يتصرف في الدولة الجزائرية و كأنها مزرعة أبيه و الذي كاد أن يكون الفريق قايد أحمد صالح أحد ضحاياه لو لا تفطنه للأمر في آخر لحظة .

لازالت الفرصة مواتية لاسقاط رئيس الدولة عبد القادر بن صالح بثورة شعبية تعفينا من فخ الدستور و تفتح لنا المجال واسعا أمام مرحلة انتقالية قصيرة بمرافقة الجيش الوطني الشعبي من خلال حوار موسع أتمنى أن لا يقصى فيه طرف ما عدا حزبا السلطة و من لف حولهما من دعاة الاستمرارية و الموالاة لفرض حلول سياسية التي لن تبتعد عن مقاصد و روح الدستور المتعلقة بتحقيق الارادة الشعبية و أن الشعب هو مصدر كل سلطة دون فتح طابوهات الهوية و الأسرة…لأنها ستفرقنا و تغرقنا في متاهات لن نخرج منها سالمين و تطيل أمد الأزمة ،بل نركز فقط على الآليات التي يمكن من خلالها اختيار شخصية وطنية تقود مجلس رئاسي مدني يمكن لمؤسسة الجيش أن يكون لها فيه ممثل إن رغبت في ذلك حتى تكون عنصرا فاعلا في المساهمة في الانتقال الديمقراطي الذي يتحقق بداية باستحداث هيئة مستقلة تنظم الرئاسيات المقبلة وتعلن عن نتيجتها مع سن قوانين تضمن اجراء انتخابات حرة و نزيهة تعبر بصدق و أمانة عن صوت المواطن لانتخاب رئيس جمهورية من الشعب و بالشعب.

بقلم الاستاذ :سمير بن عبد الله

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: