أعمدة الرأي

تعامل قيادة الجيش مع الحراك الشعبي مقارنة بإيران، فرنسا، تركيا و السودان !

نوم بان
مستشار استراتيجي
من باريس

كان من المفروض أن أشارك من باريس في نقاش متلفز في قناة عالمية حول الحراك في الجزائر، دور الجيش، مع أو ضد !؟


من الأشياء التي كنت أود أن أقدمها هي مقارنة لما يحصل في الجزائر اليوم، بما حصل في جمهورية إيران مع انتفاضة الشعب الإيراني بين 27 ديسمبر 2017 و 2 جانفي 2018، حيث انطلق الإعلام الأوروبي و العربي و الأمريكي كلهم يدعمون في حراك الشعب الإيراني و يشجعونه، فخرجت فيديرالية روسيا في اليوم الثاني تقول “إيران دولة صديقة و ما يحصل فيها شأن داخلي، لا نقبل التدخل في شؤونها”، بعدها مباشرة، و بعد أن قطعت أنترنات البلاد، خرج الجيش الإيراني بالعِصي و الرصاص المطاطي و الغاز المسيل للدموع، سجل أكثر من 7000 مٌعتقل في السجون و مئات الجرحى في المستشفيات و 25 حالة وفاة..
هبة الشعب الإيراني لم تعمر أكثر من أسبوع واحد !

في فرنسا أم الحريات و الديمقراطية، بعد 18 أسبوع من حراك السترات الصفراء، و بعد حرق 80 محل و عشرات السيارات في أعرق و أشهر شوارع العاصمة و ذلك في يوم سبت واحد، قرر الرئيس ماكرون إخراج 6000 جندي بأسلحتهم (Famas) في العاصمة باريس، و تم إخطار الشعب ثلاث أيام من قبل عن طريق الإعلام الرسمي و الجرائد أن الجيش سيرمي الرصاص المرة الأولى للتحذير (tir de sommation) و الثانية ستكون في جسم المتظاهرين مباشرة إن لم يستمعوا للتعليمات، و سميت العملية “Sentinelle adaptée”، و هي نفس تسمية العملية الموجودة منذ 2015 و التي تظم تجنيد 10000 عسكري في المدن من اجل مكافحة الارهاب.

نتيجة حراك السترات الصفراء خلال 18 أسبوع، هو أكثر من 2200 إصابة خطيرة للمتظاهرين، كبتر يد أو رجل، فقدان عين و فتح رأس، و كذلك 1500 إصابة خطيرة لأعوان الأمن رغم ألبستهم الواقية، في حين هناك من انتحر منهم جراء متاعب مهامهم.
ورجال الشرطة أنفسهم قاموا بمظاهرات لرفع أجورهم و وافقت الحكومة الفرنسية على ذلك.
في كل القطر الفرنسي، تم اعتقال أزيد من 8000 متظاهر و سجن أكثر من 2000 مواطن.

في الجزائر يوجد 20 مليون متظاهر خلال 12 جمعة لم تسجل إلا حالتي وفاة، عسكري واحد لم يخرج للشارع، و الاعتقالات كانت بأمر من القضاء و طالت كبار رجال المال الفاسد و السياسيين و رجال الأمن و منهم جنرالات متورطين في مأساة البلاد و في محاولة انقلاب على القيادة العسكرية الحالية.
هذه المجموعة نفسها سمتها المظاهرات بالعصابة و طالبت برؤوسها في عدة لافتات و خلال أسابيع متتالية، و من المرتقب انه ستلتحق بالعصابة المعتقلة شخصيات أخرى في الأسابيع القادمة.

الجيش الجزائري جيش له نفس السمات الشخصية لأغلبية الشعب الجزائري، فالقيادة أغلبيتها شابة و هي من عمق الشعب، باستثناء قائد الأركان و اثنين أو ثلاثة من القيادة العليا هم مجاهدون من جيش التحرير، يقدمون بصماتهم و خبرتهم مع زملائهم في اتخاذ القرار الجماعي الديمقراطي الأمثل.
للعلم قائد الأركان الجزائري الذي هو أكبرهم سننا، هو أصغر من الرئيس التونسي الحالي بـ 12 سنة و أصغر من الرئيس الماليزي بـ 13 سنة.
قائد الجيش الجزائري لا يَكْبُرْ الرئيس الأمريكي إلا بـ 6 سنوات !!

إن أردنا فهم هذه السمات الشخصية، فمثلا على الصعيد العقائدي، الجيش الوطني الشعبي الجزائري يطبق إسلاما سنيا معتدلا و غير مفروض على الجنود (لا إكراه في الدين) بحيث يتيح حرية تامة في الممارسة الدينية خلال الخدمة أو خارجها.
في مكتبات الثكنات توجد كتب دينية مثل صحيح البخاري و مسلم، و أخرى عن التاريخ العريق للبلاد و مؤلفات لأعضاء جمعية العلماء المسلمين كالعلامة عبد الحميد ابن باديس و غيره. توجد كذلك مصليات للجنود في كل قواعد الحياة و الحجاب الديني غير ممنوع على العسكريات وفق إرادتهن.
الجيش الجزائري يتكلم باللغة الوطنية كلغة رسمية للبرقيات و التعليمات، و اللغات الأجنبية لا تستخدم إلا في بعض المدارس التقنية و فقط.

في العالم، اقرب جيش للجيش الجزائري هو نظيره التركي الحالي، و ذلك من حيث مساحة البلاد، العقيدة الدينية و الموقع الاستراتيجي المحوري للبلاد.
فبعد الانقلاب الفاشل للدولة العميقة صيف سنة 2016، و الذي راح ضحيته 260 مواطن تركي، و اكثر من 1500 جريح.
القيادة العسكرية التركية التي بقت مساندة للرئيس الشرعي و أفشلت الانقلاب، تعاملت بشكل حاد و عنيف مع الانقلابيين، حيث سٌجل رسميا من الجانب العسكري قتل اكثر من 100 انقلابي، احدهم برتبة جنرال و سجن 6000 مشارك في الانقلاب منهم 100 جنرال و 29 عقيد و عدد كبير من الإعلاميين و رؤساء هيئات في المجتمع المدني، و لا يزال جلهم في السجون إلى اليوم !!

ميزانية الجيشين هي تقريبا حوالي 15 مليار دولار سنويا و هي نسبة منخفضة جدا مقارنة بالرهانات الأمنية للبلدين، كمساحة التراب الوطني و شريط الحدود الواجب تآمينه و ما يدور حولهما من مؤامرات دولية.
فمثلا السعودية تصرف 65 مليار دولار، الهند 67 مليار دولار.
و مقارنة بدول اوربية رائدة تملك قنابل نووية و مجتمعة في حلف الناتو، فرنسا تنفق 65 مليار دولار و بريطانيا 49 مليار دولار و ألمانية 43 مليار دولار.
روسيا تصرف حوالي 80 مليار دولار، الصين 300 مليار، أمريكا 600 مليار دولار.
طبعا الأرقام تقريبية لأنه لا يوجد جيش في العالم يسرب حقيقة ما يملك من أسلحة أو من قدرات للتمويل.

قوة الجيوش ليست فقط الأسلحة و التمويل، القوة تكمن أساسا في العنصر البشري، إخلاصه، عزيمته، عقيدته و تكوينه، ثم الأدوات التي يستعملها العسكري و يتحكم فيها من معدات و أسلحة خفيفة و ثقيلة، و بعدها تأتي العلاقات التاريخية و الأحلاف العسكرية-الإستراتيجية المبرمة و التدريبات القتالية و الخبرة في التجربة العملياتية.

الجيش مع بقية الأسلاك الأمنية هو العمود الفقري للدولة، و هو الضامن الأول للأمن و الاستقرار في البلاد.

قوة الجزائر حاليا تكمن أساسا في جيشها و تلاحم شعبها معه قبل خيراتها و اقتصادها، و هذا هو السر الذي جعلها تمر 12 أسبوعا، دون رئيس دولة معترف به شعبيا و لا حكومة ذات مصداقية، تسجل البلاد عشرين مليون متظاهر في الشارع، و لا دولة في العالم تكلمت سلبيا عنها ولو نصف كلمة، لا في شعبها و لا في جيشها، باستثناء رئيس أوروبي واحد !

و هو عكس ما حدث في السودان، فبعد تنحية رئيس البلاد من طرف الجيش مباشرة، اخرج الاتحاد الإفريقي، بإيعاز دولي أكيد، بيانين يملي فيهما التعليمات و يٌمهل فترات محددة لتطبيقها من طرف القيادة العسكرية السودانية.
الشيء الذي لن ترونه يحصل مع الجزائر ابدا، خاصة من الاتحاد الافريقي او العربي او الاسلامي، ليس لأن الجزائر قوية بجيشها و شعبها فحسب بل لأن لها قيادة عسكرية حكيمة و متبصرة، قبل أن تتحرك في خطوة او اجراء، تقرأ كل السيناريوهات و تدرس الرهانات و لها علاقات وطيدة و أعين و آذان في جميع عواصم العالم تفيدها بالمعلومات و الاراء و النوايا الايجابية و السلبية.

من الأخطاء الوحيدة التي وقع فيها الجيش الجزائري، هو أنه سرب فيديو كلام قائد الأركان يتكلم فيه بعفوية “الشيباني” و هي تسمية شعبية تستخدم في غرب الجزائر تعني “أمغار” في منطقة القبائل، أي “الشيخ” نسبة للتجربة حسب السن و الاحترام المكنون له بصفته مجاهد و قائد للجيش، و لحكمته في التوجيه و القيادة، حيث نزل الجيش الجزائري من المرتبة 32 عالميا الى المرتبة 23 في غضون عشرية واحدة.
فمن الأشياء التي قالها القائد الشيباني المجاهد، هو وعد شرف شخصي منه للشعب الجزائري أن الجيش سيكون دائما في صفه للدفاع عنه و لن يعتدي عليه أبدا.

هذا الوعد استغله فلول الدولة العميقة من سياسيين و إعلاميين و أشباه مناضلين، في الداخل و الخارج، لتجنيد أتباعهم و الطعن في القيادة العسكرية بكل أريحية و في كل وسائل الإعلام الوطنية و العالمية.
و قد زاد صراخهم و عويلهم بعد أن تم اعتقال و سجن رؤوس العصابة، أي مسؤوليهم السابقين الباشرين.

القيادة العسكرية حاليا، و حسب عدة استفتاءات في صفحات كبرى شارك فيها الآلاف، قرارات الجيش مدعومة من طرف 80% من الشعب الجزائري، لكن 20% الباقية هي من تحتل المنابر الإعلامية و الجرائد و الأحزاب، فهذا يجعل المتتبع للمشهد يعتقد أن الشعب ضد قرارات الجيش و ضد قيادته.

في الحقيقة، ترك هذه الأبواق تصرخ يعكس مدى ثقة الجيش الوطني الشعبي الجزائري في شعبه و وعيه السياسي، لأنه لو كانت هذه الأبواق تشكل فعلا خطرا على البلاد أو تزعج القيادة العسكرية بصراخها، لتم اعتقالها منذ مدة و بأمر من القضاء المدني و العسكري و بتهم عديدة و متنوعة يستطيع أي محامي أن يسرد عليكم على الأقل ثلاثة منها.

أختم و أقول أنه توجد في الجزائر اليوم حرية تعبير و تظاهر و نعمة أمن و استقرار قلّ نظيرها في العالم بأسره و ليس فقط في أوروبا !!

و أن الشعب الجزائري محظوظ بقيادة عسكرية أصيلة، حكيمة و متبصرة تسهر على حمايته و هي تقدم في نفس الوقت دروسا للعالم بتسييرها هذه المرحلة الشائكة بحنكة و نجاح تام.
فهنيئا للشعب الجزائري بحكمة قيادة جيشه، و هنيئا للجيش الجزائري بوعي و سلمية شعبه.

لا يهم من يحقق الهدف، المهم أن يتحقق الهدف..
لذلك من استطاع منكم أن يمر في القنوات العالمية للكلام عن هذا الموضوع، فواجبه أن ينقل للعالم ما يحدث بكل فخر و مسؤولية و آمانة.

نوم بان

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: