منوعات

الحكيم ذو المعطف الكبير ….

كان يجلس وحيدا أعلى ربوة حين ألقيت عليه التحية سائلة إياه عن محل لاقتناء طابع بريدي ، قال بفرنسية سلسة سأخبرك إن شاركتني مشيرا إلى كيس ورقي كبير به مكسرات من كل الأنواع …ابتسمت و جلست أستمع إليه .. قال : لماذا تلبسون ثيابا و معاطف على مقاس أجسادكم لا مقاس قلوبكم و عدد أحبائكم؟ ، تعلمين … في شبابي كنت أشتري معاطف عريضة و بمقاس أكبر منهم لأبنائي الأربعة، سألني أكبرهم لماذا يا أبي؟ فأنا نحيل و هذا المعطف أبدوا غارقا فيه ، يومها قلت يا صغيري من خيّط المعطف يعلم أن لك أخا أصغر يحتاج إليك و يفرح بقربك لذا صمم هذا المعطف البني الجميل على مقاس محبتك له و احتياجه إليك. صمت قليلا ثم انبعثت من بين لحية بيضاء و أسنان مرصعة ابتسامة شبيهة بمعنى الانتصار دون أن يشيح نظره على الجمع الغفير الذي يشبه النمل في نشاطه أضاف : اليوم أبنائي يفعلون ذات الشيء مع أبنائهم بعدما كانت معاطفهم شرانق لزوجاتهم فنحن نحب الحياة و نتقن عيشها …هنا تذكرت جدتي التي كانت كالوردة في هذه السوق الأسبوعية “سوق الأحد” ملتقى سكان تمزريت و ما جاورها من مناطق ، فهو فضاء للاسترزاق ،بورصة لتسعير الأراضي و المواشي ، و الأهم مهرجان للنسوة لاقتناء كحلهن و باقي زينتهن ،جدتي بعينيها الهاربتين من البحر و شعرها المخضب بالحناء و جبتها التي يسكن فيها الربيع أراها تسلم على نا زعزي و تبارك لخالتي مالحة زواج ابنتها ، إني أراها كما لو أنها حقا هنا.. في المرات القليلة التي رافقتها إلى هذا المكان الذي لم يتغلب على بهجته الإرهاب و إن فصل فيه نون العورة وشقيقها بطل الثورة إذ جعل للرجال يوما و للنساء أخر هو الثلاثاء يتسوقن فيه بمعزل عنهم يقول حكيم الربوة ، في هته المرات تعلمت كيف أدفن السر و لا أبوح به و استحقيت بعدها لقب البئر الذي حفره”الرومي” ، و الذي لم أفهم معناه إلا لما أصبحت القنابل داخل البئر دونما اكتراث مني عن مفتاح بابه. الآن أتذكر هذا الحكيم ذو المعطف الكبير الذي أهدتني إياه ألف لقبي إليه لأصحح بوصلة القلب و العقل و لأقتني معطفا على مقاس الحب و هو أكبر من مقاس الوطن حتى ، قال الحكيم ذو المعطف الكبير حين غادرته إن الوطن هو البرنوس الأبيض الجميلة أشكاله ليصل الدفء عظامه على يدي لابسه أن تتقن الضم و إن كانت الريح أقوى من التي على هذه الربوة.

 

فتيحة /مازوني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: