By KADIR BENGHARBI
أعمدة الرأي

المرشد يعترف و الجماعة لا تزال تنحرف

قُتل ( عبد الرحمان السندي ) قائد ( النظام أو الجهاز الخاص ) القاضى ( الخازندار ) رحمة الله عليه ، و ضبطت الدولة وثائق الإدانة في الأربعينات أدت إلى حل ( جماعة الإخوان المسلمين ) ، و أضحت جماعة غير قانونية ، و أدى ذلك لمقتل رأس الدولة ( النقراشي باشا ) رحمه الله هو الآخر ، و دخلوا عناصر الإخوان السجون أفواجا أفواجا ، و إنهزم ( الإمام البنا ) و قدم إعترافات شفوية و مكتوبة ضد جماعته و عناصر تنظيمه نشرت في مجلة { النذير } ، و بعدها وقع الإنهيار و صرح ( البنا ) هذا الكلام الذي أرويه عن ( بشير الشقفة ) عن ( محمد الحامد ) عن ( محمد الغزالي ) عن ( حسن البنا ) ، و كلام آخر أرويه عن الدكتور ( محمد منصور ) عن ( خالد محمد خالد ) عن ( سيد سابق ) عن ( حسن البنا ) ، و كلام أرويه عن الأستاذ ( فريد عبد الخالق ) عن ( حسن البنا ) بأنه قال : ( ليس لنا في السياسة حظ ، و لو إستقبلت من أمري ما إستدبرت ، لعدت بالإخوان إلى أيام المأثورات ) ، لكن فات الأوان و ردت الحكومة على قتل رأس الدولة بقتل الشيخ ( حسن البنا ) رأس دعوة الإخوان المسلمين .
خسرت مصر النقراشي والبنا معاً ، و إحتدم الصراع و إشتد بين الحكومة و الإخوان ، و بدأت الإعتقالات و بداء التعذيب لأول مرة ، و بدأ الخلاف و التمزق و الصدام داخل صفوف الجماعة .
تم تعيين القاضي الأستاذ ( الهضيبي ) من طرف ( مكتب الإرشاد ) مرشدا من خارج الجماعة خلفا للشيخ ( حسن البنا ) ، و رتب مع الإخواني المدسوس ( زغلول ) المعروف باسم (جمال عبد الناصر ) و ( محمد نجيب ) قائد ( الضباط الأحرار ) الإنقلاب ضد ( الملك فاروق ) ، و صنعوا ثورة و وصلوا إلى سدة الحكم و حصلت خلافات تخص حقائب وزارية و شروط متفق عليها بين ( الضباط ) و ( مكتب الإرشاد ) ، و بدأت الخصومات الشخصية بين ( الهضيبي ) و (جمال عبد الناصر ) ، و دفع المرش الثاني للإخوان القيادية ( زينب الغزالي ) إلى تجنيد الأستاذ ( سيد قطب ) رحمه الله ليلتحق بالإخوان و فعل ؛ و كونت الجماعة تنظيما حاولت فيه إغتياله (جمال عبد الناصر ) مرة في ( المنشية ) و فشلت العملية و سجنوا الإخوان جميعا ، و مرة في قصر الحكومة و لم ينجحوا كالعادة .
إستوعبت معظم الأجيال الإخوانية بعدها درسين مهمين هما : لأول هو أن إستهداف القضاة و الشخصيات العامة يؤدي إلى كوارث ، و الثاني هو إستخدام العنف فضلاً عن حرمته يضر الجماعة أكثر مما يفيدها ، و حافظت أجيال على هذه المبادئ أهمها ، المرشد ( عمرالتلمسانى ) الذى أعطى الجماعة مع السادات قبلة الحياة فى السبعينات.
عقب ثورة 25 يناير ، بدأ الصراع مجدداً بين القضاة و الفصائل الإسلامية عامة ، و بدأ بحصار بعض المحاكم فى النزاع بين الشيخين ( الحوينى ) و ( علي جمعة ) ، مما إضطر القضاة للخروج من الباب الخلفي ، ثم إشتدت وتيرة الصراع بعد حصار عدة محاكم من أنصار ( أبوإسماعيل ) و غيرهم .
و لكن صراع الإخوان مع القضاة لم يبدأ بطريقة عنيفة إلا بعد 30 يونيو ، و وصلت حدة النزاع ذروتها حينما كررت ( اللجان النوعية ) نفس الخطأ الذى وقع فيه ( النظام الخاص ) فى الأربعينات.
قامت هذه المجموعات ، التى تعتبر على ضفاف الإخوان و تستقل عن قيادتها الرسمية ، باغتيال المستشار ( هشام بركات ) مما جعل الحكومة ترد عليها باغتيال ( 13 قائداً إخوانياً ) في سابقة فريدة منذ إغتيال الشيخ البنا ، و كأن الزمان يعيد نفسه بنفسه ولا أحد يتعلم من دروسه .
وبعد عام حاولت « حسم » إغتيال ( د. علي جمعة ) و فشلت المحاولة دون أن تستفيد شيئاً من تجربة تاريخية في منتهى السوء والسلبية كالتي إغتالت فيها ( جماعة التكفير و الهجرة ) العالم الجليل الشيخ ( محمد الذهبى ) ، مما أدى إلى نهاية الجماعة وإعدام معظم قادتها و حذفها من الوجود.
و بعدها بعدة أشهر حاولت « حسم » إغتيال النائب العام المساعد ، و لكن المحاولة فشلت رغم دقة تجهيزاتها وإستخدام سيارة مفخخة ، و ردت الحكومة بقتل أهم قادة الإخوان و المسؤول عن ( اللجان النوعية ) لل( د. محمد كمال ) أستاذ الأنف و الأذن و حارسه الخاص ، و كأن الزمان يعيد نفسه فلا أحد يستفيد من دروسه .
فماذا ربحت « الإخوان المسلمون » باغتيال الخازندار والنقراشى؟! لا شىء سوى إغتيال البنا و تفكك الجماعة ، و ماذا ربحت باغتيال ( بركات ) أو محاولة اغتيال ( زكريا عبدالعزيز ) سوى مقتل عدد كبير من قادتها ، و ما سيتلو ذلك من تمزق و خلافات و فرقة بينهم و زيادة الصراع مع الحكومة ؟
قتل العلماء أو القضاة و الإغتيالات عامة جريمة كبرى ، و في المقابل الرد عليها بمثلها من طرف الحكومة سيئ أيضاً ، لأن هذه الدائرة الجهنمية لن تنتهى ، و أرى أن ( الشيخ البنا ) لو لم يتم قتله كان يمكن التفاهم معه على تصحيح و تعديل مسار ( جماعة الإخوان ) و حل ( النظام الخاص ) و تسليم أسلحته ، و قد قام المستشار ( الهضيبى ) الأب بمثل هذه الخطوة من تلقاء نفسه ، و لكن الدائرة الجهنمية إستمرت دون وعي بالتجارب التاريخية المتعددة الفاشلة ، فقد قامت مجموعة باغتيال أمين شرطة بالأمن الوطنى ( بالبحيرة ) ، و هذه بداية لسلسلة جهنمية تضر الإخوان بدل أن تفيدهم .
فأين الصبر؟! لقد إنتصر ( أحمد بن حنبل بالصبر ) و الحلم وحده على خليفتين ، لم يكن يملك شيئاً لا سلاحاً ولا عتاداً ، و كان هناك الآلاف من تلاميذه فلم يحرضهم على عنف أو خروج على ( المعتصم ) رغم ظلمه للإمام ، الصبر هو أقوى سلاح لعبور الابتلاءات و المحن ، و العنف والإغتيالات هي أمقت و أسوأ وسيلة لوصول الإنسان لما يراه من هدفه أو حقه ، ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) .
فمتى تتعلم الحركة الإسلامية من تجاربها ؟ و متى لا تعمل بنظرية التجربة و الخطأ ؟ ومتى لا تقع في الجحر الواحد مئات المرات ؟ و متى لا تقع في الحفرة التى وقع فيها الآلاف من قبل ؟ ومتى … ومتى و متى .

أمين بلقايم باحث وكاتب جزائري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: